path

بين الطواف والطوفان

article title

بين الطواف والطوفان

ليست كلُّ حركةٍ طوافًا، وليست كلُّ موجةٍ طوفانًا؛ فثمّة حركةٌ تبدأ من الإيمان لتعيد الإنسان إلى مركزه، وثمّة حركةٌ تجتاح المراكز حين تفقد قدرتها على احتواء الحياة. بين الطواف الذي يعلّم الإنسان كيف يدور حول المقدّس، والطوفان الذي يكشف عجز الإنسان عن السيطرة على قوى الكون والتاريخ، تمتدّ مسافةٌ فلسفية عميقة، تتقاطع فيها علاقة الخالق بالمخلوق، والإنسان بالكون، والسلطة بالعدل، والثورة بالتغيير، والحركة بالغاية.

إنّها حكاية حركةٍ تبني، وحركةٍ تجرف؛ حركةٍ تستمدّ معناها من مركزٍ ثابت، وحركةٍ قد تنشأ حين يختلّ المركز أو يفقد شرعيته في وجدان الناس. ولكنّ السؤال الأعمق ليس: كيف يتحرّك العالم؟ بل: إلى أين تتحرّك الحياة، وما الذي يوجّه حركتها، وهل تنتهي إلى عمرانٍ وهداية أم إلى خرابٍ وضياع؟

أولًا: الطواف .. مفهوم الحركة حول مركز الثبات.

في الطواف حول البيت الحرام، تتجلّى مفارقةٌ بديعة: آلاف الأجساد تتحرّك، لكنّ الحركة ليست تيهًا؛ وملايين الخطوات تتعاقب، لكنّها لا تفقد وجهتها؛ والناس يختلفون في ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم، غير أنّهم يجتمعون حول قبلةٍ واحدة، ويؤدّون شعيرةً واحدة، ويستحضرون ربًّا واحدًا قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] الطواف في حقيقته الشرعية عبادةٌ توقيفية، أمّا دلالاته الروحية والفكرية والاجتماعية فهي أبوابٌ للتأمّل والتدبّر. ومن هنا يمكن قراءة الطواف بوصفه مدرسةً في فلسفة الحركة.

روحيًّا: يعلِّم الطواف القلب ألّا يجعل ذاته مركز الوجود، بل أن يتوجّه إلى الله، وأن يتحرّر من عبادة الأهواء والمصالح والأشخاص. فالمؤمن يتحرّك بجسده، لكنّ غايته أن يستقيم قلبه.

نفسيًّا: يدرِّب الطواف الإنسان على الانضباط وسط الزحام، والصبر عند الاحتكاك، والتواضع حين تتساوى الأجساد في مشهد العبادة. فلا قيمة لحركةٍ تعبّدية يفسدها إيذاء الآخرين؛ إذ ينبغي أن يظهر أثر العبادة في السلوك والخلق.

اجتماعيًّا: تتحوّل الكثرة إلى جماعة، والاختلاف إلى تعارف، والتنوّع إلى وحدةٍ لا تلغي الخصوصيات، وفي هذا المعنى يذكّرنا الطواف بأنّ اجتماع البشر حول قيمةٍ مشتركة أقدر على بناء المجتمع من اجتماعهم حول العصبيّة والمصلحة الضيّقة.

تربويًّا وتعليميًّا: يعلِّم الطواف بالجسد ما قد تعجز الكلمات وحدها عن تعليمه: أن للإنسان قبلةً يتوجّه إليها، وقواعدَ يلتزم بها، وحقوقًا يراعيها، وحدودًا لا يتجاوزها. فالحركة المنضبطة تربية، والنظام الذي يحفظ كرامة الآخرين علمٌ يُمارَس قبل أن يُلقَّن.

ثقافيًّا وحضاريًّا: يجمع الحج والطواف ذاكرة الأنبياء، ورمزية البيت الحرام، وتجارب الشعوب، في فضاءٍ تتجاوز فيه هوية الإنسان حدوده الجغرافية، من غير أن يفقد مسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه.

أمَّا سياسيًّا: فيقدّم الطواف معنىً يمكن استلهامه في الحكم والإدارة ليس المهم أن يتحرّك الناس حول السلطة، بل أن تتحرّك السلطة حول الحق والعدل؛ وليس المركز جديرًا بالبقاء لمجرّد أنّ الناس يلتفّون حوله، وإنما بقدر ما يؤدي وظيفته ويحفظ الحقوق.

فالكعبة مركزٌ للعبادة بأمر الله، وليست تشبيهًا لسلطةٍ بشرية؛ والحكمة المستفادة هنا أنّ حركة الإنسان تحتاج إلى غايةٍ أخلاقية تهديها، وأنّ كلّ مركزٍ بشريّ يفقد العدل قد يتحوّل من موضع انتظامٍ إلى سبب اضطراب.

ثانيًا: الطوفان .. حين تتحوَّل الحركة إلى قوَّة جارفة

إذا كان الطواف حركةً منتظمة حول مركزٍ معلوم، فإنّ الطوفان يمثّل حركةً تتجاوز الحدود المألوفة، وتكتسح ما يعترض ريقها، وتكشف هشاشة ما ظنّه الإنسان ثابتًا لا يتغيّر.

والطوفان في أصله صورةٌ من صور الغمر والاجتياح؛ فقد يكون ماءً يعلو اليابسة، أو حممًا بركانيةً تتدفّق من باطن الأرض، أو عاصفةً تقتلع ما أمامها، وفي كلّ صورةٍ منه يواجه الإنسان حقيقةً كبرى: أنّ الكون أوسع من قدرته، وأنّ ما يبنيه في سنوات قد تهدّمه قوّةٌ لا يملك ردّها قال الله تعالى في قصة نوح عليه السلام: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر﴾ [القمر: 11-12].

لم يكن طوفان نوح مجرّد مشهدٍ مائيّ في الذاكرة الدينية؛ بل كان حدثًا فاصلاً في تاريخ دعوة نبيٍّ واجه قومًا أعرضوا عن الحق، كما يروي القرآن وفي قصته تتجلّى سنّةٌ إلهية في العاقبة، وعبرةٌ في الصراع بين دعوة الإصلاح والإصرار على الباطل.

ومع ذلك، ينبغي ألّا نجعل كلَّ كارثةٕ حقيقية حكمًا على أخلاق ضحاياها، أو نجزم بأنّ كل زلزالٍ أو فيضانٍ أو بركان عقوبةٌ بعينها؛ فالغيب لا يُدرك بالتخمين، والمصائب قد تصيب الصالح وغيره، ويبقى واجب الإنسان أن يتعلّم، ويستعدّ، وينقذ، ويرحم.

فالطوفان الحقيقي يكشف حدود السيطرة البشرية، كما يكشف الطوفان المجازي حدود السيطرة السياسية والاجتماعية حين تتراكم المظالم، ويُغلق باب الإصلاح، وتفقد المؤسسات قدرتها على الاستجابة لحاجات الناس.

ثالثًا: الطوفان البشري .. حين تجرف الشعوب مراكز الاستبداد.

ليس كلُّ طوفانٍ ماءً، وليس كلُّ اجتياحٍ قادمًا من السماء؛ فقد يتشكّل الطوفان في صدور المظلومين، ويتراكم في ذاكرة الأجيال، ثم يظهر في صورة احتجاجاتٍ جماعية أو ثوراتٍ أو تحوّلاتٍ تاريخية كبرى.

حين تُصادَر الحقوق، ويُسدّ باب المشاركة، ويُعامل الإنسان كأنّه أداةٌ في يد السلطة لا صاحب كرامةٍ وحق، تتراكم أسباب الاضطراب. وقد يبدو المجتمع ساكنًا من الخارج، بينما تتحرّك في أعماقه أمواجٌ من الألم والغضب وفقدان الثقة.

وحينئذٍ قد تتحوّل الحركة الشعبية إلى طوفانٍ يغيّر موازين القوى، ويُنهي أنظمةً استمرّت عقودًا، أو يفرض إصلاحاتٍ كانت تبدو مستحيلة.

لكنّ الفلسفة هنا لا تكتفي بالسؤال: كيف يسقط الظلم؟ بل تضيف سؤالًا أكثر خطورة: ماذا يأتي بعد سقوطه؟

فليس كلُّ ما يهدم الظلم يبني العدل، وليس كلّ من يثور على الاستبداد ينجح في تأسيس الحرية، وليس كلّ انتصارٍ في لحظةٍ تاريخية انتصارًا دائمًا للإنسان.

قد يُسقط الطوفان البشريُّ بناءً فاسدًا، ثم يترك الأرض خرابًا إذا غابت الرؤية والقيادة الأخلاقية والمؤسسات العادلة، وقد يتحوّل الغضب المشروع إلى انتقام، والتحرّر إلى فوضى، والثورة على الاستبداد إلى استبدادٍ جديد ومن هنا تأتي أهمية الميزان القرآني: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

فالعدل ليس غايةً مؤجَّلة إلى ما بعد التغيير، بل ينبغي أن يكون حاضرًا في وسائله وأهدافه معًا. والكرامة التي نطالب بها لأنفسنا لا تستقيم فلسفتها إذا أنكرناها على الآخرين وفي الحديث النبوي الشريف "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". (متفق عليه)..

فالنية الصالحة أساسٌ مهم، لكنها لا تعفي من تحمّل مسؤولية الوسائل والنتائج؛ إذ يحتاج الإصلاح إلى الحكمة، والعلم، وضبط النفس، وصيانة الدماء والحقوق.

ليس المطلوب أن تبقى الشعوب ساكنةً أمام الظلم، ولا أن تتحوّل كلّ حركةٍ إلى اجتياحٍ أعمى؛ بل أن تتحوّل المطالبة بالحقوق إلى بناءٍ يضمن ألّا يعود الظلم في ثوبٍ جديد.

رابعًا: بين الطواف والطوفان .. منطق البناء ومنطق الاجتياح.

يمكننا الآن أن نضع الصورتين أمام مرآةٍ واحدة؛ لا لنجعل الطواف والطوفان متناقضين في كلّ حال، بل لنكتشف ما يكشفه كلّ منهما عن طبيعة الحركة وغايتها..

وجه المقارنة: الطواف الطوفان

طبيعة الحركة منتظمة حول مركزٍ معلوم جارفة تتجاوز الحدود

علاقتها بالمركز تستمدّ وجهتها من مركز العبادة قد تكتسح مراكز قائمة أو تكشف هشاشتها

أثرها في الإنسان تربية على الانضباط والتواضع والوحدة اختبار للقدرة على الصمود والإنقاذ وإعادة البناء

صورتها الاجتماعية اجتماع حول قيمةٍ مشتركة انفجار لتراكماتٍ أو مواجهة لقوّةٍ طاغية

خطر الانحراف حركةٌ بلا خشوع أو أثر أخلاقي هدمٌ بلا بديل، أو غضبٌ بلا حكمة

السؤال الحاسم: ما الغاية التي نتحرّك من أجلها؟ ماذا نترك بعد أن تجتاحنا الحركة؟

والأعمق من ذلك أنّ الطواف نفسه لا يعني الجمود؛ فالحركة فيه مستمرّة، ولكنّها محكومةٌ بغاية. والطوفان ليس بالضرورة نهايةً لكلّ حياة؛ فقد تعقبه إعادة إعمار، وتعلّمٌ من الكارثة، وتشكّلُ واقعٍ جديد إذن، ليست المشكلة في الحركة ذاتها، بل في علاقتها بالغاية والحدود والمسؤولية الطواف حركةٌ تحفظ الاتجاه، والطوفان حركةٌ تختبر الثبات؛ والطواف يعلّمنا كيف ننتظم، والطوفان يذكّرنا بما يحدث حين تختلّ الموازين أو تعجز الأنظمة عن استيعاب التحوّلات.

خامسًا: من طوفان نوح إلى بحر موسى .. حين تتغيَّر الحركة بأمر الله.

في قصص الأنبياء تتكرّر صورة الماء، لكنّ دلالاتها تتنوّع؛ فالماء الذي يكون سببًا للهلاك في مشهد، يصبح طريقًا للنجاة في مشهدٍ آخر، بحسب ما يقصّه القرآن من تدبير الله وحكمته.

في قصة نوح عليه السلام، كان الطوفان نهايةً لمرحلةٍ من تاريخ قومه، ونجاةً لمن آمن معه. وفي قصة موسى عليه السلام، انشقّ البحر فصار الطريق الذي بدا مستحيلًا ممرًّا للنجاة، بينما انتهى فرعون وجنوده إلى الغرق قال تعالى:﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء 63].

إنّ المشهدين يفتحان أمامنا بابًا للتأمّل في علاقة الخالق بالمخلوق فالإنسان يرى الماء حاجزًا، لكنّ قدرة الله جعلته طريقًا؛ ويرى القوة المادية ضمانًا للبقاء، لكنّ قصة فرعون تكشف أنّ القوة مهما بلغت لا تمنح صاحبها حقّ الطغيان، ولا تضمن له الخلود، والدرس هنا ليس أنّ الإنسان ينتظر المعجزات ليغيّر واقعه، بل أنّه يتعلّم من الوحي الثقة بالله، والأخذ بالأسباب، والصبر على الطريق، وألّا يجعل قوة خصمه معيارًا لإمكان النجاة.

إنّ العلاقة بين الخالق والمخلوق ليست علاقةَ حركةٍ كونية عمياء فحسب؛ بل هي، في التصوّر القرآني، علاقةُ خلقٍ قال تعالى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]وهنا يلتقي المعنى الروحي بالمعنى الحضاري فالمؤمن الذي يطوف بالبيت الحرام يتعلّم أن يتوجّه إلى الله، والإنسان الذي يواجه طوفانًا حقيقياً أو اجتماعيًّا يتعلّم أن يعمّر الأرض، ويحمي الحياة، ويقاوم الفساد، ويستعيد التوازن.

سادسًا: كيف ننجو من الطوفان دون أن نصنع طوفانًا جديدًا؟

يقدّم الحديث النبوي صورةً بليغةً عن مسؤولية المجتمع المشتركة، إذ قال رسول الله ﷺ ”مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ثم ذكر أنّ أهل الأسفل إذا أرادوا خرق لسفينة بحجّة الحصول على الماء، فإن تركهم أهل الأعلى وما أرادوا هلك الجميع، وإن منعوهم نجوا ونجوا جميعًا". (رواه البخاري).

هذه السفينة ليست مجرّد وسيلة عبور؛ إنّها صورةٌ للمجتمع الذي تتشابك فيه المصائر، فالخطأ الذي يبدأ في جزءٍ من السفينة قد يُغرق الجميع، كما أنّ الإصلاح الذي يحمي جزءًا منها قد ينقذ الكل،وفي هذا المعنى تتجلّى فلسفةٌ اجتماعية وسياسية عميقة فعلى الحاكم ألّا يجعل السلطة امتيازًا شخصيًّا، بل أمانةً لحماية الحقوق وتحقيق العدل، وعلى المجتمع ألّا يترك الفساد يتراكم حتى يصبح انفجاره كارثةً على الجميع ،على المصلح و ألّا يكتفي بتشخيص الخلل، بل يبحث عن وسائل إصلاحٍ حكيمةٍ تحفظ الأرواح والحقوق،وعلى الثائر أن يميّز بين هدم الظلم وهدم المجتمع، وبين استعادة الحقّ والانتقام،وعلى المعلّم والمربّي أن يغرس في الأجيال القدرة على التفكير والنقد والمسؤولية، حتى لا تتحوّل الجماهير إلى أمواجٍ يسهل توجيهها نحو الهدم.

فالمجتمع العادل لا يحتاج إلى انتظار الطوفان كي يتغيّر؛ لأنّ الإصلاح المبكّر يفتح منافذ الحركة قبل أن تتراكم الضغوط والحكمة ليست في منع كلّ تغيير، بل في منع الظلم من تحويل التغيير الضروري إلى كارثة.

سابعًا: هل نحتاج إلى طوافٍ يهدي الطوفان؟

لعلّ هذه هي الفكرة الأعمق في المقالة: أنّ العالم يحتاج إلى طوافٍ معنويّ حول قيم العدل والكرامة والرحمة؛ حتى لا تتحوّل حركاته الكبرى إلى طوفاناتٍ تبتلع الإنسان الذي قامت من أجله نحتاج إلى طوافٍ سياسيّ حول العدالة؛ فلا تكون الدولة صنمًا يُعبد، ولا السلطة مركزًا فوق المساءلة، نحتاج إلى طوافٍ اجتماعيّ حول الإنسان؛ فلا تُضحّى كرامة الفرد باسم الجماعة، ولا تُضحّى مصلحة الجماعة باسم الفرد، ونحتاج إلى طوافٍ تربويّ حول الحقيقة؛ فلا يتحوّل التعليم إلى تلقينٍ يُعطّل العقل، ولا تتحوّل الحرية الفكرية إلى فوضى تنكر قيمة المعرفة، ونحتاج إلى طوافٍ ثقافيّ حول الحوار؛ فلا يصبح الاختلاف طوفان كراهية، ولا تتحوّل الهوية إلى جدارٍ يمنع التعارف، ونحتاج -قبل ذلك كلّه- إلى طوافٍ روحيّ يعيد الإنسان إلى مركزه الأخلاقي، ويذكّره بأنّ القوة أمانة، والعلم مسؤولية والحرية تكليف، والعبادة ليست حركةً للجسد وحده، بل أثرٌ ينبغي أن يظهر في معاملة الخلق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

إنّ التغيير الذي يبدأ من الداخل لا يُغني عن إصلاح المؤسسات والأنظمة، لكنه يمنح التغيير الخارجي ميزانه الأخلاقي؛ لأنّ الإنسان الذي لا يراجع نفسه قد يحمل إلى واقعٍ جديدٍ عادات الواقع القديم، فيغيّر الوجوه ويبقي الظلم..

ومن هنا، فإنّ الطواف ليس بديلًا من التغيير، والطوفان ليس دليلًا كافيًا على نجاحه. إنّما العبرة بما تصنعه الحركة في الإنسان، وما تتركه في المجتمع، وما تقيمه من عدلٍ بعد اضطراب.

ثامنا: بين حركةٍ تعود إلى الله وحركةٍ تجتاح العالم.

بين الطواف والطوفان يقف الإنسان أمام سؤالٍ وجوديّ هل يكون عنصرًا في حركةٍ واعيةٍ تعرف غايتها، أم جزءًا من موجةٍ تجرفه حيث لا يدري؟ الطواف يذكّرنا بأنّ كثرة الحركة لا تعني ضياع الاتجاه، وأنّ الاختلاف لا يمنع الوحدة، وأنّ النظام يمكن أن يجمع ملايين البشر حول غايةٍ واحدة. والطوفان يذكّرنا بأنّ الظلم لا يبقى آمنًا إلى الأبد، وأنّ القوى التي تُهمَل قد تتراكم حتى تتجاوز قدرة الأنظمة على احتوائها، وأنّ السنن والتاريخ كلاهما يكشفان حدود الغرور البشري.

لكنّ الطوفان -مهما أسقط من أبنية- لا يضمن أن تقوم مكانها حضارةٌ عادلة؛ كما أنّ الطواف، مهما حمل من معانٍ، لا يكتمل أثره الأخلاقي في حياة الإنسان ما لم تظهر ثمرته في العدل والرحمة وصيانة الحقوق؛ فليس كلّ هدمٍ تحريرًا، ولا كلّ استقرارٍ عدلًا، ولا كلّ حركةٍ تقدّمًا؛ إنّما تُقاس الحركات بغاياتها ووسائلها وعواقبها، الطواف يعلّمنا كيف نتحرّك دون أن نضلّ الطريق، والطوفان يعلّمنا ماذا يحدث حين تتجاوز الحركة حدودها أو تُترك المظالم حتى تنفجر.

 وبينهما تتجلّى حكمة الإنسان أن يبني قبل الانهيار، ويُصلح قبل الانفجار، ويجعل العدل مركزًا لحركته، والرحمة روحًا لعلاقاته، والإيمان بوصلةً لمسيرته، فيا ليت العالم يتعلّم من الطواف قبل أن يوقظه الطوفان، ويا ليت أصحاب المراكز يدركون أنّ البقاء لا تصنعه الجدران وحدها؛ بل تصنعه العدالة التي تحفظها، والكرامة التي تحميها، والثقة التي تمنحها الشعوب طوعًا لا قهرًا.

 

فحين يصبح العدل مركز الحركة، لا يعود التغيير تهديدًا للحياة، بل يصبح سبيلًا إلى تجديدها؛ وحين يُهمَل العدل، قد يتحوّل السكون إلى مقدّمة العاصفة، ويصبح الطوفان هو اللغة التي يتكلّم بها التاريخ حين تعجز المراكز عن الإصغاء.

بين الطواف والطوفان.. ليست الحكمة أن نمنع الحركة، بل أن نهتدي بغايتها؛ فالحركة بلا بوصلةٍ تيه، والقوة بلا عدلٍ طغيان، والتغيير بلا حكمةٍ طوفان، أمّا الحركة التي يجتمع فيها الإيمان والوعي والعدل، فهي طريق الإنسان إلى عمران الأرض وعمارة الروح.

رحمكم الله وبارك فيكم وجعلكم من الطائفين ومن الطوافين

وبالسداد والتوفيق

د.يونس صالح 

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

مسمار جحا في النعش العالمي

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

هل يمكن للتديُّن أن يكون مُحبِطًا للنفوس؟

feather دكتور سعد الكبيسي

اقرأ أيضا للإمام

article title

مسمار جحا في النعش العالمي

article title

فلسفة الخيرية في بيت النبوة والمجتمع

article title

من يمنعك مني؟

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

مسمار جحا في النعش العالمي

دكتور سعد الكبيسي

هل يمكن للتديُّن أن يكون مُحبِطًا للنفوس؟

إدارة الإعلام

الريسوني: تكفير المسلمين بدعة وتكلف