مسمار جحا في النعش العالمي

مسمار جحا في النعش العالمي
ليس كلُّ ما يُغيِّر مصائر الأمم يبدأ بقرارٍ عظيم، ولا كلُّ ما يُهدِّد استقلال الشعوب يأتي في صورة احتلالٍ صريح أو عدوانٍ مُعلن؛ فقد يبدأ الأمر بمسمارٍ صغير، وشرطٍ عابر، وتنازلٍ يبدو في لحظته غير جديرٍ بالقلق، ثم لا يلبث أن يتحوَّل إلى مدخلٍ تتسلَّل منه الهيمنة إلى الجسد كلِّه.
تروي الحكاية الشعبية أنَّ جحا باع بيته واحتفظ بحقِّ مسمارٍ في أحد جدرانه، ثم جعل من هذا الحقِّ المحدود وسيلةً للتردُّد لنفوذٍ كبير، وإذا تجاوزنا حدود الحكاية إلى واقع العالم، أمكننا أن نرى في هذا المسمار صورةً من صور الصراع على السيادة، والتحكُّم في القرار، وصناعة التبعيَّة؛ حيث قد يُفتَح الباب بامتيازٍ محدود، ثم يُعاد تشكيل البيت كلِّه وَفق إرادة من يملك ذلك الامتياز.
فالمسمار في النعش العالمي ليس بالضرورة سلاحًا يُشهر، بل قد يكون شرطًا يُفرَض، أو امتيازًا يُمنَح، أو دينًا يُستغَل، أو قاعدةً يُسمَح بإقامتها، أو موردًا استراتيجيًّا يوضَع تحت نفوذ الآخرين، وليس الخطر في هذه الأشياء بمجرَّد وجودها؛ وإنَّما في حدودها، وشروطها، والقدرة التي تمنحها لمن يملكها، والعواقب التي تترتَّب عليها مع مرور الزمن.
أولًا: خطورة التنازل عن الحقوق دون تقدير العواقب:
إنَّ التنازل عن حقٍّ من الحقوق قد يكون ضرورةً تفرضها المصلحة، أو تسويةً تقتضيها ظروف الواقع، أو تنازلًا متبادلًا يُّحقِّق السلام والاستقرار، لكنَّ الخطورة تبدأ حين يُقدَّم التنازل دون تقديرٍ لما وراءه، أو حين يُنظَر إلى مكسب اللحظة ويُغفَل ثمن المستقبل؛ فقد تتنازل دولةٌ عن جزءٍ من استقلال قرارها مقابل دعمٍ اقتصادي، أو تمنح جهةً خارجيَّة امتيازًا استراتيجيًّا مقابل حمايةٍ مؤقتة، أو تقبل بشروطٍ تبدو محدودةً لتجاوز أزمةٍ طارئة؛ ثم تكتشف أنَّ ما قدَّمته اليوم أصبح قيدًا على خياراتها غدًا.
إنَّ المشكلة ليست في التنازل وحده؛ بل في التنازل الذي لا يعرف صاحبه حدوده، ولا يحدد نهايته، ولا يملك خطةً لاستعادة توازنه بعده، وهنا تتجلَّى فلسفة المسمار؛ قد تتنازل عن مساحةٍ صغيرة من قرارك، فإذا بك تجد نفسك مضطرًّا إلى مراعاة صاحبها في قراراتٍ أكبر من المساحة التي تنازلت عنها، فالحقوق التي تُمنَح دون حسابٍ قد تتحوَّل إلى التزامات، والالتزامات التي لا تُضبَط قد تتحوَّل إلى تبعيَّة.
ثانيًا: الفرق بين الحق المشروع واستغلال الحق:
ليس كلُّ نفوذٍ اعتداءً، ولا كلُّ اتفاقٍ تبعيَّةً، ولا كلُّ مطالبةٍ بحقٍّ محاولةً للسيطرة؛ فالعلاقات الدولية كالعلاقات الإنسانيَّة، تقوم على حقوقٍ متبادلة، ومصالح مشتركة، والتزاماتٍ ينبغي احترامها، لكنَّ الفارق الأخلاقي والسياسي يظهر حين يتحوَّل الحقُّ من وسيلةٍ لتنظيم العلاقة إلى أداةٍ للتحكُّم في الطرف الآخر؛ وحين يُستعمَل الاتِّفاق لا لتحقيق الغاية التي أُبرِم من أجلها، بل لتوسيع النفوذ، وفرض شروطٍ جديدة، وتضييق خيارات الطرف الأضعف؛ فالحق المشروع له غايةٌ وحدود، أمَّا استغلال الحقِّ فيبدأ حين تُتَّخذ تلك الحدود نفسها ذريعةً للإضرار بالآخرين أو ابتزازهم أو انتزاع تنازلاتٍ إضافيَّةٍ منهم، وقد يكون المسمار حقًّا ثابتًا في الاتفاق، لكنَّ السؤال الذي يُحدِّد أثره هو: هل يُستعمَل في حدود الغاية التي مُنِح من أجلها أم يتحول إلى وسيلةٍ للتدخل في البيت كلِّه؟
إنَّ عدالة العلاقة لا تُقاس بمجرَّد وجود حقٍّ قانوني، بل تُختبَر أيضًا بكيفيَّة استعماله، وبمدى احترام حقوق الآخرين واستقلالهم.
ثالثًا: الشروط الصغيرة قد تخفي آثارًا كبيرة:
في السياسة والاقتصاد، لا تُقاس خطورة الشروط بحجم الكلمات التي كُتبت بها، وإنَّما بما تُنشِئه من التزامات، وما تمنحه من صلاحيَّات، وما تتركه من آثارٍ بعيدة المدى، فبندٌ واحدٌ في اتفاقيَّةٍ قد يُؤثِّر في حرية القرار الاقتصادي، وشرطٌ ماليٌّ قد يُقيِّد السياسات العامَّة، وامتيازٌ طويل الأجل قد يمنح جهةً ما قدرةً واسعةً على التأثير في موردٍ حيوي، وتسهيلٌ أمنيٌّ محدود قد يتطوَّر أثره بحسب الاتِّفاق والظروف المحيطة به، وقد تبدو هذه الشروط عند توقيعها تفاصيلَ فنِّيَّة لا تستحق الجدل العام، لكنَّها قد تتحوَّل لاحقًا إلى مفاتيح تتحكَّم في مساراتٍ كاملة.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: ماذا سنحصل عليه اليوم؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا سنفقد غدًا؟ وما الذي سنُصبح عاجزين عن فعله؟ ومن الذي سيملك حقَّ الاعتراض أو التعطيل؟ وهل نستطيع مراجعة الاتفاق أو إنهاءه بشروطٍ عادلة؟
إنَّ الحكمة ليست في رفض كلِّ شرطٍ صغير، وإنَّما في اكتشاف حجمه الحقيقي قبل أن يُوقَّع، وفهم أثره قبل أن يتحوَّل إلى واقعٍ يصعب تغييره.
رابعًا: حسن النية لا يغني عن الحكمة:
قد تدخل الدول في اتِّفاقاتها بدافع الثقة، أو حُسن الجوار، أو المصالح المشتركة، وقد يظنُّ أصحاب القرار أنَّ الشراكة القائمة اليوم ستظل محكومةً بالغايات التي أُعلنت عند تأسيسها، لكنَّ العلاقات لا تُدار بالنوايا وحدها؛ إذ تتغيَّر المصالح، وتتبدَّل موازين القوَّة، وتختلف القيادات، وقد يُعاد تفسير الاتفاقات وَفق ظروفٍ لم تكن حاضرةً عند توقيعها.
ومن هنا، فإنَّ حُسن النِّيَّة فضيلةٌ لا يُستغنى عنها، لكنَّه لا يُغني عن وضوح الشروط، وتوازن الالتزامات، واستقلال القرار، ووجود ضماناتٍ تمنع تحوُّل التعاون إلى ارتهان، والدولة الحكيمة لا تبني مستقبلها على افتراض أنَّ الآخرين سيبقون دائمًا كما هم، بل تُحسِن التعاون معهم، وتفي بالتزاماتها، وتحفظ في الوقت نفسه قدرتها على المراجعة والتصرُّف المستقل.
وكذلك الشعوب والمؤسَّسات والأفراد؛ فالثقة لا تعني الغفلة، والتسامح لا يعني إلغاء الحدود، والوفاء لا يعني التنازل عن القدرة على حماية الحقوق، الحكمة أن تُحسن الظنَّ بالناس، دون أن تُسيء تقدير المصالح؛ وأن تمدَّ يدك للتعاون، دون أن تُسلِّم مفاتيح بيتك.
خامسًا: كيف يُستعمل الجزء الصغير للسيطرة على الكل؟
هذه هي الفلسفة الأعمق للمسمار: ليست السيطرة دائمًا نتيجة امتلاك كلِّ شيء؛ فقد تنشأ أحيانًا من التحكُّم في نقطةٍ واحدة يعتمد عليها النظام كلُّه، فمن يُسيطر على ممرٍّ حيويٍّ قد يؤثِّر في حركة التجارة، ومن يمتلك نفوذًا واسعًا على مصدر تمويل قد يؤثِّر في القرار الاقتصادي، ومن يتحكَّم في تقنيةٍ لا غنى عنها قد يملك قدرةً على التأثير في استقلال مستخدميها، ومن ينفرد بموردٍ استراتيجي قد يكتسب ورقة ضغطٍ تتجاوز قيمته المادِّيَّة، لا يعني ذلك أنَّ امتلاك ممرٍّ أو موردٍ أو تقنيةٍ يؤدِّي حتمًا إلى الهيمنة؛ فالنتيجة تتوقَّف على طبيعة الاتفاقات، وتعدُّد البدائل، وتوازن القوَّة، والقدرة على الاستغناء، ووجود مؤسَّساتٍ تحمي القرار المستقل، لكنَّ الدرس الذي ينبغي ألَّا يغيب هو أنَّ قيمة الجزء لا تُقاس بحجمه وحده، بل بمقدار اعتماد الكلِّ عليه.
فقد يكون المسمار أصغر أجزاء البيت، لكنَّه يُصبح بالغ التأثير إذا رُبِطَت به صلاحيَّةٌ تمسُّ الانتفاع بالبيت كلِّه، وكذلك قد يكون الامتياز محدودًا في نصِّه، واسعًا في أثره، إذا منح صاحبه قدرةً على تعطيل مصالح الآخرين أو التأثير في قراراتهم المصيريَّة.
ومن هنا، فإنَّ حماية السيادة لا تعني الانغلاق عن العالم، بل تعني بناء القدرة على التعاون دون ارتهان، وتنويع الشركاء والموارد، وتحصين المؤسَّسات، ومراجعة الاتِّفاقات، ومنع تحوُّل نقاط الضعف المحدودة إلى مفاتيح للتحكُّم في المنظومة كلِّها.
إنَّ النعش العالمي ليس نعشًا تُدفَن فيه الجغرافيا وحدها، بل قد يكون نعشًا تُدفَن فيه تدريجيًّا حريَّة القرار، واستقلال الإرادة، وقدرة الشعوب على رسم مستقبلها؛ وذلك حين تتراكم التنازلات الصغيرة، ويُستهان بالشروط المحدودة، وتُخلَط الثقة بالغفلة، والحقوق بالامتيازات، والشراكة بالتبعيَّة، ومع ذلك فإنَّ المسمار لا يحكم البيت بذاته؛ إنَّما يستمد خطورته من الثغرة التي تُركَت له، ومِن الاعتماد الذي نشأ حوله، ومِن غياب الحدود التي تضبط أثره..
ولذلك لا يكون العلاج برفض كلِّ اتفاق، ولا بالخوف من كلِّ شراكة، وإنَّما بوعيٍ يُميِّز بين التعاون الذي يقوِّي الأطراف، والتبعيَّة التي تضعف أحدها لحساب الآخر.
فالعالم لا يحتاج إلى أبوابٍ مغلقة، بل إلى أبوابٍ تُفتَح بوعي، واتفاقاتٍ تُعقَد بعدل، وحقوقٍ تُصان بحكمة، وعلاقاتٍ لا تجعل من حاجة اليوم قيدًا على حريَّة الغد.
فاحذر المسمار الذي تراه صغيرًا في يدك اليوم، إذا كان هو نفسه الذي قد يُمسِك غدًا بمفاتيح بيتك؛ فليست العبرة بما تتنازل عنه الآن فحسب، بل بما تمنحه للآخرين من قدرةٍ على تقرير ما تستطيع فعله لاحقًا.
بالسداد والتوفيق
د. يونس صالح
- الكلمات الدلالية
- مسمار جحا
- العلاقات الدولية
د. يونس محمد صالح الزلاوي