الريسوني: تكفير المسلمين بدعة وتكلف

الكفار الحقيقيون هم الذين ذكرهم القرآن أو السنة الصحيحة، وتم التصريح فيهما بكفرهم، من يهود ونصارى ومشركين، ونحوهم ممن جحدوا ربهم ولم يؤمنوا بما جاء منه تعالى على لسان أنبيائه ورسله. وقد قرر العلماء أنه لا يُـخرج من الإسلام إلا إنكار ما يُـدخل فيه..
وحديثي الآن عن تكفير المسلمين أهلِ القبلة بغير هذا..
وهو يقع على ضربين:
ضرب صريح، يصف صاحبه بعض المسلمين بالكفر.. وهذا أمره واضح..
وضرب يكون ضمنيًّا، وذلك عند من يُسوُّون -في أقوالهم ومواقفهم العملية- بين المسلمين والكافرين، أو يخصُّون المسلمين بعداء أعمق، ومحاربة أشد، بدعوى أنهم أخطر من الصهيونية والصليبية، ومن الإلحاد واللادينية.
وقد اجتهد كثير من العلماء -قديمًا وحديثًا- في محاربة ظاهرة تكفير المسلمين، واجتهدوا في لجم أصحابها ومحاصرتهم بعدد من المحاذير والموانع الشرعية، ومن الضوابط والقيود الفقهية والأصولية..
وتوجد اليوم مؤلفات وكتابات كثيرة عن ضوابط التكفير. وبعضها حول "منهج أهل السنة في التكفير". مع أنَّ اللائق بأهل السنة، والمقرر عندهم، هو أنهم لا يكفرون إلا من يكفرون أنفسهم بأنفسهم، بصريح أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْر} [التوبة: 17].
وحديث هؤلاء السادة العلماء عن ضوابط التكفير وقيوده، كان -وما يزال- يُثير في نفسي تساؤلات وتحفظات؛ ذلك أنَّ الحديث عن ضوابط التكفير وشروطه وقيوده، يعني أنَّ التكفير في أصله مشروعٌ أو مطلوبٌ شرعًا؛ فقط يجب الالتزام بتلك الضوابط، مع أنَّ كلَّ التكفيريين دائمًا يزعمون أنهم ملتزمين بالضوابط، ولسان حالهم يقول: لكلٍّ ضوابطه..
والحقُّ أنَّ التكفير هو مِن أصله مجرَّد تنطُّع وتكلف، وبدعة من بدع الغلوِّ والتعصُّب الأعمى، وهو في أصله وغايته خدمة ووقود في الصراعات السياسية..
ولذلك فالسؤال الذي ينبغي التوقُّف عنده والجواب عنه هو: هل التكفير يدخل ضمن التكاليف الشرعية؟ هل كلفنا الله تعالى أن ننقب ونبحث عن أفراد المسلمين أو طوائفهم، ونصدر الحكم بأنهم مسلمون أو كفار؟ هل كلف الله تعالى علماء المسلمين أو عامتهم بإصدار صكوك البراءة من الكفر أو النفاق، أو صكوك الإدانة بهما، لكل من يظهر لهم أنه ذو رأي أو فكرة مخالفة أو شاذة؟
هل كلفنا الله تعالى أن نفتش في أقوال الزعماء والشيوخ وأتباعهم، وفي سِيَـرهم وأعمالهم وقرائن أحوالهم، وفي دلالاتها وتأويلاتها، لنحكم بإسلامهم أو بكفرهم؟ وهل ذلك من الواجبات أو من المستحبات؟
ألا قاتل الله التكلف والتنطع والغباء. يتركون ما أُمروا به، ويشتغلون بما نُـهُوا عنه!
ومن غرائب ما أنتجه بعض هواة التكفير والتضليل:
ما وقع للفقيه القاضي أبي الوليد الباجي، (وهو إمام المالكية في عصره) حين ذكر -عرضًا في بعض دروسه- أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعض الكلمات.. وأن ذلك لا يتنافى مع أمِّيَّته المذكورة في القرآن الكريم.
فقامت قيامة بعض فرسان المعارك الخاسرة، فكفَّروه وضلَّلوه ورموه بالزندقة، ولعنه بعضهم فوق المنابر. وكاتبوا العلماء خارج الأندلس، يُشنِّعون ويُحرِّضون على الإمام الباجي، ويستصدرون مزيدًا من الفتاوى التكفيرية ضدَّه.
وقد سبق لي أن ذكرت هؤلاء "المتنطعين الجدد" في كتابي (الاختيارات الدينية الكبرى للأمة الإسلامية)، وممَّا قلته عنهم: "فتجدهم كلَّما كتبوا عن أحد الأعلام، أو حقَّقوا كتابًا من كتبه، أو حتى بدون مناسبة، يضعون هذا العنوان الغريب المريب: (عقيدته)، أو (عقيدة فلان). وأكثر ما يكون حرصهم على هذا العنوان، حين يكون العالم -في نظرهم- متَّهمًا، أو ظنينًا، أو مشتبهًا به، في عقيدته. فيُراد إثبات إدانته، أو التشكيك في مكانته، والتنفير منه، أو -بالعكس- إثبات براءته العقدية، وتأهلِه لكي يُعدَّ من فرقتهم الناجية...
وهكذا تجد طالبَ ماجستير أو دكتوراه يحاكم عالمًا أو إمامًا من أئمَّة المسلمين، ليقول لنا: إن عقيدته فاسدة، أو سليمة، أو غير سليمة، أو ليكشف أنَّه أشعري مبتدع، أو متأثِّر بالأشاعرة أو المعتزلة، وأنَّه حادٍ عن منهج السلف، وخرج عن مسمَّى أهل السنة والجماعة، أو أنه مذبذبٌ بين بين...
وقد كنتُ حين أراجع دراسةً عن أحد مشاهير العلماء وأئمَّة المسلمين، فيَذكر الباحثُ سيرته وجهاده ومؤلفاته وتلاميذه، ومكانته العلمية، وأخلاقَه، وثناء العلماء عليه.. ثم فجأةً أجد له عنوانًا يقول (عقيدته)!! فأعجب وأتساءل: كيف هذا؟ أليس الرجل مسلمًا، وعقيدته هي عقيدة الإسلام!؟ أليس من علماء المسلمين، أليس إمامًا يقتدي به العلماء، أم لعله كان منافقًا يُـخفي نصرانيَّته أو مجوسيَّته أو إلحاده؟ لم أكن يومها أفهم -ولا ينتهي عجبي حتى الآن- كيف يتمُّ هذا "التحقيق العقدي" مع كبار العلماء الأجلاء، المعظَّمين المقتدى بهم على مدى قرون! أمرٌ ما كان ليصدَّق لولا أن أمامنا مئات من المؤلفات والبحوث الجامعية تفعل ذلك!
والعجب كل العجب كيف يتطاول ويتجرأ هؤلاء الذين يعترفون بأنهم "طلبة علم"، فيعتقدون ويُعلنون -جازمين بغير وجلٍ ولا خجل- أنَّهم فهموا من العقيدة ونصوصها ما غفل عنه أو زلَّ فيه كبار العلماء، أو أنَّ هؤلاء العلماء والأئمَّة قد غُرر بهم واستُدرجوا، فأصبحوا أشاعرة أو صوفية أو مبتدعة، وهم لا يشعرون!
واسمعوا إلى هذا النموذج، ماذا يقول صاحبه:
"تأثَّـــرَ بالأشاعرة والماتريدية بعض العلماء والأئمة الأعلام. وممن تأثَّر بالأشاعرة الإمامُ النووي رحمه الله، والحافظُ بن حجر رحمه الله. ولا يصحُّ القول: إنَّ ابن حجر كان أشعريًّا متكلِّمًا، حاشاه، وإن كان وقع في بعض التأويلات الخاطئة، التي انطلت على كثيرٍ من أهل العلم واشتهرت بينهم. ومن علماء الحنابلة المتأثرين بهم: ابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الزاغوني. كما تأثر بالأشاعرة بعض فقهاء الحنابلة في تأويل الصفات. ولا عبرة بالمخالف أيًّا كان، إذا صادم منهج السلف وطريقتهم المثلى...".
وهذا التفتيش والتصنيف يشمل الأموات والأحياء على حدٍّ سواء؛ هم يريدون من الآن فرز الناس، ومَن منهم سيكون في الفرقة الناجية، ومن منهم من الفرق الناريَّة (أي من أهل النار). ومَن منهم يستحق المدح والتعظيم، ومن منهم لا يستحقُّ إلا التضليل والتكفير أو التشويه والتشهير.
وسعيًا إلى ردع هذه النزعة، ومعالجة هذا المرض، ألَّف العلامة الشيخ بكر أبو زيد كتابه (تصنيف الناس بين الظنِّ واليقين)، واصفًا أصحاب هذه النزعة الـمَرَضية بالـمنشقِّين وبالجرَّاحين. قال رحمه الله: "ومِن مستندات (المنشقِّين) الجرَّاحين: تتبُّع العثرات، وتلمُّس الزلَّات والهفوات. فيجرِّح بالخطأ، ويتبع العالم بالزلَّة، ولا تُـغفر له هفوة".
وقال: "احْذَرْ هذا الانشقاق، لا تقع في مثله مع (المنشقين الجراحين)، المبذرين للوقت والجهد والنشاط في قيل وقال، وكثرة السؤال، عن (تصنيف العباد)، وذلك فيما انشقُّوا فيه. فهو ذنبٌ تلبَّسوا به، وبلوى وقعوا فيها، وادْعُ لهم بالعافية".
على أنَّ ما تقدم لا يتعلق بنقد الأفكار والآراء والاجتهادات الدينية، ومناقشتِها تأييدًا أو تفنيدًا؛ فهذا لا بد منه، ولا حرج فيه.. بل فيه الأجر إذا تمَّ بعلمٍ ونزاهة، وأدبٍ وإخلاص.
وإنما المحظور والمحذور هو إصدار الأحكام بالكفر والضلال على المسلمين، أفرادًا أو جماعات؛ فهذا تكلُّفٌ وتعدٍّ، ما أنزل الله به من سلطان.
وأنا لا أقول: إن تكفير المسلمين له ضوابط وقيود يجب الالتزام بها، بل أقول: إنه تكلفٌ باطلٌ منهيٌّ عنه ولا يجوز أصلًا؛ بل إنَّ مجرَّد البحث والتنقيب عن تفاصيل معتقدات المسلمين هو بدعةٌ محدثة. والمعتزلة -بقيادة الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد- هم الذين اخترعوا فكرة امتحان الناس والتحقيق معهم في تفاصيل عقائدهم وتصوراتهم وأفهامهم، بغية إكراههم على القول بخلق القرآن.. وهذا كله تعسف وتسلط، والله تعالى يقول لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} [الغاشية: 21 - 24].
وأمَّا من يُبيح للمتكلِّفين تكفير المسلمين بـ"ضوابط" مزعومة، فهو كمن يُبيح لهم قتل المسلمين وشرب الخمر وغصب الأموال، بضوابط يُحدِّدها لهم.
وهذه بعض النصوص الشرعية الواردة في تحريم التكفير، وليس في ضوابطه:
1. قوله عز مِن قائل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94]
2. في صحيح البخاري، عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك -وكان من أصحاب الشجرة- حدَّثه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على ملَّةٍ غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيءٍ في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله).
3. في صحيح مسلم، عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «إذا كفر الرجلُ أخاه فقد باء بها أحدهما».
فمن قال: إنه مسلم، وكذلك من ولد مسلما، ونشأ ومضى على ذلك، فهو مسلم، مهما أُثيـرَ حوله من الشكوك والاحتمالات والشبهات. وأمره وسريرته وحقيقته -ونحن جميعًا- إلى الله تعالى. فهو -سبحانه- وحده الذي يحقُّ له أن يحكم بالكفر على مَن ظاهره الإسلامُ والإيمان، وعلى من قال وأظهر أنه مسلم، لكونه تعالى يعلم البواطن والسرائر والحقائق. وأما نحن فلم نكلَّف بذلك ولا نستطيعه.
ولذلك فلا تكفير لفرد أو لطائفة، إلا لمن أعلن بنفسه ردته وخروجه من الإسلام، أو من وصفهم الله تعالى بالكفر.
ومن لطائف ما جاء في أحاديث الدجال، ما في صحيح مسلم أنه: (مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب). فانظروا -رحمكم الله- كيف أن الله تعالى لم يترك مسألة تكفير الدجال لتقصينا واجتهادنا واستنتاجنا، بل صرح لنا بكفره، وجعل ذلك مكتوبا بين عينيه، يقرأه ويفهمه حتى الأميُّون!!
إدارة الإعلام