path

هل يمكن للتديُّن أن يكون مُحبِطًا للنفوس؟

article title

من أكثر وأشد الأشياء التي تصنع اليأس والإحباط في النفوس والقلوب، تديُّن مثالي غير منضبط ولا واعٍ في تطبيق مفاهيم الدين في الواقع، ليحصل عند الناس في أذهانهم من خلال ذلك اعتقاد -بصورةٍ غير مباشرة- أنَّ هذا الدين غير واقعي، ولا يمكن تطبيقه، ولا البلوغ فيه المراتب العليا التي يطمح إليها كلُّ مسلم، أو يزيد الإحباط ويتفاقم ليصل إلى التشكُّك الفكري والعَقَدي.

وهنا نستعرض عشرة أسباب لحصول الإحباط على سبيل التمثيل لا الحصر:

1- الوعظ الديني الشعائري

الذي قد يُصوِّر أنَّ العبادة محدودة في الشعائر التعبديَّة من صلاة وصيام وذكر فقط، ويُرسل رسائل غير مقصودة أنَّ إعمار الحياة لا يدخل ضمن دائرة العبادة، وأنَّ المنشغل فيها منشغل بدنيا مذمومة، فيحصل عند المسلم إحساس بالتقصير وتأنيب الضمير بشحَّة الجانب العبادي لديه، وأنَّه يستحيل بهذه الحال أن يبلغ مرتبة الصالحين المقرَّبين من ربِّ العالمين.

ومن ذلك ذكر عبادات الصحابة والتابعين والسَّلف والخلف الصالح، دون ذكر حِرَفهم ومهنهم وبقيَّة تفاصيل حياتهم، وتصوير أنَّ حياتهم كانت محض عبادات شعائريَّة فقط؛ فأبو بكر وعثمان وابن عوف وأبو حنيفة وابن المبارك والليث بن سعد رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم كانوا تجَّارًا أثرياء على سبيل المثال، ومنازلهم ومقاماتهم جاءت من خلال صور تعبديَّة مختلفة ومتعدِّدة؛ كالعلم والإنفاق وغير ذلك، ولا تقتصر على مفهوم الجانب الشعائري للعبادة.

2- التحفيز غير المنضبط، والربط بأهداف بالغة الطموح

مثل التحفيز بأن يكون مخترعًا عظيمًا في بيئةٍ لا تُساعد، أو يكون ذا منصبٍ مرموقٍ في بيئةٍ مستبدَّة، لا تفسح المجال إلا للأتباع والمتزلِّفين، أو تَوقُّع النصر على عدوٍّ من خلال تحفيزٍ إيمانيٍّ دون وجود مقوِّماتٍ كافية، أو التذكير بوعد الله بانتصار الإسلام دون بيان منهج التدرُّج والخطوات العمليَّة والأهداف المرحلية في ذلك.

إنَّ التحفيز كالدواء مضرٌّ إذا تجاوز الجرعة المطلوبة، ومن الدواء ما قتل.

3- سرد مناقب الصالحين والمصلحين ومنجزاتهم، دون معرفة نقاط ضعفهم وأخطائهم

أو تكون هذه المناقب ممَّا لا يُعقل أن تكون عند البشر، من خلال رواياتٍ تحمل الكثير من المبالغات، وإن حصلت فمرَّة او مرَّات معدودة، في سياقٍ خاصٍّ ولأناسٍ مخصوصين..

أو المطالبة باجتماع الفضائل العظيمة في مسلمٍ واحد، من خلال سرد مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم معًا في مجلسٍ واحدٍ مثلًا! واعتبار اجتماع فضائلهم معيار القرب من الله، مع أنَّ أبا بكرٍ لم يكن مثل عمر، وخالدًا لم يكن مثل أبي هريرة والعكس، وكان لكلِّ واحدٍ منهم مزيَّة وفضيلة عرف بها وتميَّز عن الآخر، فيستقرُّ الاعتقاد من ذلك أنَّ هؤلاء من الملائكة لا البشر، وأنَّ الاقتداء بهم أشبه بالمستحيل؛ فمن الذي يستطيع أن يكون مثل هؤلاء الأربعة العظام في وقتٍ واحد؟!

إنَّ مناقب هؤلاء الإعلام معروفة، وعظمتها تكمن ليس في كونهم يعملون صالحًا فحسب، بل في كونهم أنَّهم حين يُخطئون فإنَّهم يرجعون ويتوبون.

4- اختلال ميزان الطرح لصالح الترهيب على حساب الترغيب

ولنصوص النار على حساب نصوص الجنة، ولضرورة التذكر الدائم لسيئات المرء التي تسوؤه مع توبته منها، على حساب حسناته التي تسرُّه مع وجود الإخلاص فيها، واعتقاد أنَّ ذلك من كمال التقوى دائمًا، مع أنَّ الحديث واضحٌ حين يقول رسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم: "من سرَّته حسنته وساءته سيِّئته فهو مؤمن".

إنَّ كثيرًا من الناس يُساقون للاستقامة بالترهيب، كما أنَّ هناك من يُساق بالترغيب.

5- تزكية الماضي بالمطلق، وذمُّ الحاضر بالمطلق، وتوقُّع السيِّء في المستقبل بالمطلق

فلا فرح بمنجَز، ولا سعادة بعطاء، ولا عمل للأفضل للحاضر والمستقبل، ما دام الماضي سيبقى هو الأفضل في كلِّ الأحوال!

6- المطالبة بإنجازات نوعيَّة وسريعة

من خلال خطاب عام عشوائي يستهدف الجميع دون تمييزٍ أو دون إدراكٍ للوسع في قوله تعالى: "لا يُكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها"؛ حيث إنَّ الوسع نسبيٌّ، وإنَّ كلَّ فردٍ أو مؤسَّسةٍ أو دولةٍ أو أمَّةٍ مكلَّفةٌ بوسعها لا بالمطلوب الافتراضي منها، وإنَّ التكليف بما فوق الوسع يُنشئ عُقَدًا وإحباطاتٍ نفسيَّةً فوق ما نتصوَّر.

7- الخداع المعرفي

من خلال الظنِّ بأنَّ كلَّ ما يُقرأ يطبَّق، وكلَّ ما يُسطَّر في الكتب ممكنٌ تنفيذه على أرض الواقع، وكلَّ واجبٍ شرعيٍّ واجبُ العمل والتطبيق، خصوصًا مع مبالغات الكُتَّاب ودفاعهم المستميت عمَّا يطرحونه، دون مراعاة محددات الزمان والمكان والأحداث والأشخاص والإمكانات.

8- عدم التفريق بين دائرة الاهتمام ودائرة التأثير

ونقل دائرة الاهتمام الى دائرة التأثير دون القدرة على ذلك، ممَّا يُسبِّب ترك التركيز على دائرة التأثير، وعدم القدرة وتضييع الجهد في دائرة الاهتمام، وتوالي الإحباط بسبب أنَّه لم يُنجِز ما لم يقدر عليه.

9- عدم التفريق بين عُذْرَي العجز والتقصير

فالعجز يعذر الله به والتقصير لا يعذر الله به، وأيُّ خطابٍ يلقي اللوم على العاجز فهو خطابٌ ممهِّدٌ للإحباط واليأس عند المخاطَب، من حيث ظنِّ المخاطِب أنَّه يُحسِن صنعًا.

10- التركيز على الكم على حساب النوع

فالكم أكثر إغراء وأقل فائدة، والنوع أقل إغراء وأكثر فائدة، لكن لا ينجو من سحر إغراء الكم إلا القليل، وأَحَبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ كما جاء في الحديث.

الخلاصة:

إنَّ للإحباطات أسبابًا قد تجتمع كلُّها أو بعضها عند المسلم أو المؤسَّسة، لتجعله آيسًا وعاجزًا، بسبب قلَّة الفقه في الدين والواقع، ولو تفقَّه بشكلٍ صحيحٍ لعرف كيف يُركِّز على دائرة الإنجاز والقدرة والطموح المعقول والمقبول والمأمول، لا على دائرة المثاليَّة والطموح الجامح والأمنيَّات التي تنعكس سلبًا على التكوين الفكري والنفسي والسلوكي للإنسان.

دكتور سعد الكبيسي دكتور سعد الكبيسي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

مسمار جحا في النعش العالمي

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

الريسوني: تكفير المسلمين بدعة وتكلف

feather إدارة الإعلام

اقرأ أيضا للإمام

article title

اختيارات خاصة لا أحكام عامة

article title

أثر التمييز بين المذهبية والطائفية في السلم الأهلي

article title

احذر يا ابني الغالي

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

مسمار جحا في النعش العالمي

إدارة الإعلام

الريسوني: تكفير المسلمين بدعة وتكلف

الشيخ طه عامر

الخبيئة الصالحة وأثرها في صلاح الدارين