path

من يمنعك مني؟

article title

ليست كل الأسئلة التي تُطرح في الحياة أسئلةً تحتاج إلى جوابٍ طويل، بعض الأسئلة تأتي في لحظةٍ يختصر فيها الإنسان حياته كلها في كلمة، لحظة ينهار فيها المنطق البشري، وتتراجع الحسابات، وتغيب الأسباب، ويقف الإنسان أمام خطرٍ لا يملك دفعه، فيسأله الواقع بكل قسوته: من يمنعك مني؟

وقد طُرح هذا السؤال يومًا على رسول الله ﷺ، لا في مجلس علم، ولا في نقاش فلسفي، ولا في درس عن الإيمان والتوكل، وإنما طُرح عليه والسيف مسلول فوق رأسه، فكان جوابه كلمة واحدة: الله!

وهذه الكلمة ليست مجرد إجابة عن رجل يحمل سيفًا؛ وإنما هي واحدة من أعمق الإجابات التي يمكن أن يقدمها الإيمان للإنسان في مواجهة الحياة كلها.

كان ذلك في غزوة ذي أَمَر، حين بلغ رسول الله ﷺ أن جماعات من بني ثعلبة ومحارب قد تجمعت، وأنها تستعد للغارة والاعتداء، فماذا فعل رسول الله ﷺ؟ هل جلس في المدينة وقال: نحن متوكلون على الله، ولن يحدث لنا شيء؟ هل انتظر حتى يأتي الخطر إلى بابه؟ هل اكتفى بالدعاء وترك الاستعداد؟ كلا، خرج رسول الله ﷺ في أصحابه، واستخلف على المدينة، وتحرك نحو مصدر الخطر.

وهنا تبدأ أولى حقائق التوكل؛ فالتوكل لا يعني أن تبقى مكانك، المتوكل لا يهرب من المسؤولية باسم الإيمان، ولا يترك العمل باسم القدر، ولا يهمل الأسباب باسم الثقة بالله، بل يتحرك، ويخطط، ويستعد، ويأخذ بكل ما يستطيع من أسباب، ثم يعلم أن النتائج ليست ملكًا له.

خرج النبي ﷺ بجيش، لأن الإسلام لا يعلم الإنسان أن يلغي الأسباب، ولكنه يعلم الإنسان ألا يعبد الأسباب، فالجيش سبب، لكنه ليس النصر، والسلاح سبب، لكنه ليس القوة المطلقة، والمال سبب، لكنه ليس الرزق، والدواء سبب، لكنه ليس الشفاء، والعمل سبب، لكنه ليس ضمان المستقبل، إنما الأسباب أبوابٌ نطرقها، أما النتائج فبيد الله.

ولما بلغ القوم خبر خروج رسول الله ﷺ، هرب كثير منهم إلى رؤوس الجبال، ولم تقع تلك المعركة التي كان الجميع يتوقعها، وهنا درس آخر من دروس الحياة: ليس كل انتصار يكون بعد معركة، أحيانًا يكون أعظم الانتصارات هو منع المعركة قبل وقوعها، وأحيانًا يكون النصر في أن يفشل الخطر قبل أن يصل إليك، وأحيانًا يكون الاستعداد نفسه هو الذي يمنع الكارثة، ولهذا فإن الإنسان المتوكل لا ينتظر المشكلة حتى تكبر، ثم يقول: أين الفرج؟ بل يستعد قبل وقوعها، يحكم الأبواب قبل أن يأتي اللص، ويعالج الخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة، ويتحرك قبل أن يصبح الوقت متأخرًا؛ فالتوكل ليس استسلامًا للأحداث، بل هو حضورٌ كامل في الحياة، مع قلبٍ يعلم أن الله هو المدبر الأعلى للأحداث.

أصاب المسلمين مطر في تلك الغزوة، فنشر رسول الله ﷺ ثيابه لتجف، واضطجع تحت شجرة، وفي لحظة من اللحظات كان منفردًا، لا جيش يحيط به في تلك اللحظة، ولا حصن، ولا باب مغلق، ولا سلاح مرفوع بينه وبين الخطر، وهنا رآه أحد رجال العدو، فتقدم نحوه حتى وقف فوق رأسه، وكان السيف في يده، ثم قال: يا محمد، من يمنعك مني؟ لو نظرنا إلى المشهد بمنطق الإنسان فقط، لكان السؤال منطقيًا، الرجل واقف، والسيف في يده، والنبي ﷺ أمامه، ولا أحد بين السيف وصاحبه، كل الحسابات الظاهرة تقول إن القوة في يد الرجل، لكن رسول الله ﷺ لم ينظر إلى المشهد من زاوية السيف فقط، ولم يقل: أصحابي قريبون، ولم يقل: سيأتيني الجيش، ولم يدخل في جدال، ولم يبحث عن وقت، بل قال كلمة واحدة: الله، هذا هوالفرق بين من يملك السيف ومن يملك القلب المؤمن.

كان الرجل يثق بما في يده وكان النبي ﷺ يثق بمن بيده كل شيء، وهنا الفرق كله، الرجل رأى: السيف، والنبي ﷺ رأى: الله الذي خلق السيف وصاحبه، الرجل كان ينظر إلى القوة الظاهرة، والنبي ﷺ كان يعلم أن وراء كل قوة قوةً أكبر.      إنها المشكلة القديمة التي يقع فيها الإنسان دائمًا، نحن نخلط بين امتلاك الوسيلة وامتلاك النتيجة، قد تملك المال، لكنك لا تملك أن تمنع عنه الضياع، وقد تملك الصحة، لكنك لا تملك أن تضمن دوامها، وقد تملك السلطة، لكنك لا تملك بقاءها، وقد تملك جيشًا، لكنك لا تملك النصر، وقد تحمل سيفًا، لكنك لا تملك أن تضمن أن يبقى في يدك للحظة التالية.

كان الرجل يملك السيف، لكنه لم يكن يملك ما سيحدث للسيف بعد ثانية، وهنا تظهر فلسفة التوكل، أنت قد تملك السبب، لكنك لا تملك مصير السبب، حين سقط السيف، في لحظة انقلب المشهد كله، سقط السيف من يده، وأصبح السيف في يد رسول الله ﷺ، قبل لحظات كان السؤال: من يمنعك مني؟ والآن أصبح السؤال نفسه موجهًا إلى الرجل: ومن يمنعك مني؟ قبل لحظة كان الرجل يشعر أنه يملك الحياة والموت، وبعد لحظة أدرك أنه لا يملك حتى السيف الذي كان بين أصابعه.

وهنا تنكشف واحدة من أكبر أوهام الإنسان، أن الإنسان يظن أنه يملك أكثر مما يملك، نحن لا نملك إلا ما أذن الله أن يكون في أيدينا، ولا نستطيع أن نحتفظ بشيء لم يأذن الله ببقائه، وقد يغير الله المشهد كله في لحظة، من قوة إلى ضعف، ومن خوف إلى أمان، ومن فقر إلى غنى، ومن مرض إلى عافية، ومن هزيمة إلى نصر، ومن رجل يحمل السيف فوق رأس إنسان، إلى رجل يقف بعد لحظات عاجزًا أمام السيف نفسه، ولهذا فإن المؤمن لا يغتر عندما تكون القوة في يده، ولا ينهار عندما تكون القوة في يد غيره، لأنه يعلم أن القوة التي تراها ليست دائمًا هي القوة التي تحكم المشهد.

التوكل ليس أن تنكر السيف؛ من الخطأ أن نفهم التوكل على أنه إنكار للخطر، المتوكل يرى السيف، لكنه لا يعبد السيف، يرى المرض، لكنه لا يعبد المرض، يرى المال، لكنه لا يعبد المال، يرى السلطة، لكنه لا يعبد السلطة، يرى الأسباب كلها، ويستخدمها، لكنه لا يعلق قلبه بها.

فالتوكل الحقيقي هو أن تعيش وسط الأسباب دون أن يصبح قلبك عبدًا لها، تذهب إلى الطبيب، لأنك مأمور بالأخذ بالأسباب، لكن قلبك يعلم أن الطبيب ليس الشافي، تعمل من أجل الرزق، لكنك تعلم أن صاحب العمل ليس الرزاق، تدرس من أجل النجاح، لكنك تعلم أن العقل والوقت والقدرة والفرصة كلها منحة من الله، تستعد للحرب، لكنك تعلم أن النصر ليس صناعة بشرية خالصة، ولهذا ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [ الأنفال: 10]. فالسلاح قد يكون في يدك ولا تنتصر، وقد تكون ضعيفًا في الظاهر، ويأتيك النصر من حيث لا تدري.

لعل أجمل تعريف للتوكل نستخرجه من هذه الغزوة هو اعمل كأن المسؤولية عليك، واطمئن كأن الأمر كله لله، وهذا ليس تناقضًا بل هو التوازن الذي يصنع الإنسان المؤمن، الإنسان يعمل لأنه مسؤول، ويخطط لأنه عاقل، ويستعد لأنه مأمور، ثم يطمئن لأنه يعلم أن الله هو الذي يدبر ما وراء خططه، إنه يزرع لكنه لا يستطيع أن يخلق الحياة في البذرة، ويبحرلكنه لا يستطيع أن يأمر البحر أن يهدأ، ويأخذ الدواء، لكنه لا يستطيع أن يصنع الشفاء، ويبني البيت لكنه لا يستطيع أن يضمن أن يبقى كل شيء كما أراده، هناك دائمًا مساحة بين ما يستطيع الإنسان أن يفعله، وما لا يستطيع، وفي تلك المساحة يبدأ التوكل.

القصة لا تنتهي بسقوط السيف، ربما كان سقوط السيف هو انتصار القوة، أما ما حدث بعد ذلك فهو انتصار الأخلاق، الآن أصبح النبي ﷺ هو القادر، والرجل الذي جاء ليقتله أصبح أمامه عاجزًا، وكان يمكن أن ينتهي الأمر بالانتقام، لكن القوة النبوية لم تكن قوة انتقام.

وهنا معنى آخر عظيم للتوكل الإنسان الذي امتلأ قلبه بالله لا يحتاج دائمًا إلى الانتقام ليشعر أنه قوي، كثير من الناس ينتقمون لأنهم يريدون إثبات قوتهم، أما الإنسان الواثق بالله فلا يحتاج إلى الدم ليبرهن على نفسه، فالقوة ليست دائمًا في أن تضرب، بل قد تكون القوة في أن تستطيع الضرب ثم تختار الرحمة، وهذا هو الفرق بين القوة التي تحكمها النفس، والقوة التي يحكمها الإيمان.

لقد خرج الرجل يريد قتل النبي ﷺ، ثم وقف أمامه عاجزًا، وكان يمكن أن تنتهي القصة بجثة، لكن الرحمة صنعت شيئًا أعظم، إنسانًا جديدًا، فالقتل كان سينهي حياته، أما العفو فقد فتح له حياة جديدة، وفي روايات السيرة أن الرجل عاد بعد ذلك إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، وهنا نكتشف أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا في إسقاط العدو، بل أحيانًا في إسقاط العداوة من قلبه.

من يمنعك مني؟ سؤال الحياة كلها هذه العبارة سؤال يتكرر في حياة كل إنسان، كل واحد منا سيأتيه يوم تقف فيه مشكلة أمامه وكأنها تقول: من يمنعك مني؟ قد يكون مرضًا يقول لك: من يمنعك مني؟ وقد تكون أزمة مالية تقول: من يمنعك مني؟ وقد يكون خوفًا على المستقبل يقول: من يمنعك مني؟ وقد يكون إنسانًا ظالمًا يقول: من يمنعك مني؟ وقد تكون مشكلة لا ترى لها حلًّا، فتقف أمامك بكل حجمها وقوتها وتقول: من يمنعك مني؟

وهنا يكون الفرق بين من يعيش أسيرًا للأسباب ومن يعيش متوكلًا على الله، ليس المؤمن إنسانًا لا يخاف، ولكنه يعرف إلى أين يذهب عندما يخاف، وليس المؤمن إنسانًا لا يرى الخطر، لكنه يرى أن الله أكبر من الخطر، وليس المؤمن إنسانًا يضمن المستقبل، لكنه يعرف من يملك المستقبل، ولهذا فإن جوابه في النهاية، بعد أن يعمل ويبذل ويأخذ بالأسباب الله فوق السيف رب السيف هذه هي خلاصة القصة، ليس معنى الإيمان أن تقول: لا يوجد سيف، فالسيف موجود، والخطر موجود، والمرض موجود، والظلم موجود، والفقر موجود، والخوف موجود، لكن فوق كل ذلك: الله فوق قوة الظالم قدرة الله، وفوق المرض رحمة الله، وفوق المستقبل علم الله، وفوق خطط الإنسان تدبير الله، وفوق السيف: رب السيف.

ولهذا فإن التوكل لا يجعل الإنسان يترك الدنيا، بل يجعله يدخل إليها بقلب أقوى، يعمل دون أن يعبد العمل، ويجمع المال دون أن يعبد المال، ويستخدم القوة دون أن يعبد القوة، يأخذ بالأسباب دون أن ينسى مسبب الأسباب، وهذا هو الإنسان المتوكل، إنسانٌ يمشي على الأرض، لكنه لا يجعل قلبه معلقًا بالأرض، يعيش بين الناس، لكنه يعلم أن مصيره بيد الله، يخطط للمستقبل، لكنه لا يعبد خططه، يخاف، ثم يعود إلى الله، ويضعف، ثم يستمد قوته من الله.

قد يسقط المال، وقد يسقط المنصب، وقد يسقط الجيش، وقد يسقط السلاح من اليد، وقد تسقط كل الأسباب التي كنت تظن أنها تحميك، وقد يأتي عليك يوم لا تجد فيه شيئًا تستطيع أن تقول هذا هو الذي سينقذني، وفي تلك اللحظة ستكتشف الحقيقة التي عرفها رسول الله ﷺ تحت تلك الشجرة منذ أربعة عشر قرنًا أن هناك شيئًا لا يسقط، وأن هناك قوة لا تُنتزع من يد صاحبها، وأن هناك ملجًا لا يُغلق بابه، وأن هناك ربًا لا يعجزه شيء، وعندما تقف الحياة كلها أمامك، بكل ما فيها من خوف، وتقول لك من يمنعك مني؟ بعد أن تعمل، وبعد أن تخطط، وبعد أن تبذل، وبعد أن تأخذ بكل الأسباب، يبقى في قلبك الجواب الذي لا يسقط الله، فخذ بالأسباب، ولكن لا تجعل قلبك أسيرًا لها، اعمل بكل قوتك، ولكن لا تظن أن قوتك هي التي تحكم العالم، واجه السيف، ولكن تذكر دائمًا: فوق السيف رب السيف، والآن من يمنعك مني؟ أظن أنك عرفت الجواب.

بالسداد والتوفيق

بقلم الدكتور يونس الزلاوي

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

التربية الراشدة في الغرب.. هل ممكنة؟

feather الشيخ طه عامر

ماذا قدم الإمام القرضاوي لمسلمي الغرب؟

feather الشيخ طه عامر

اقرأ أيضا للإمام

article title

ثقافة الرحمة في زمن القسوة

article title

ثقافة العَنَزَة والعصا

article title

صورتك الذهنية بين الفعل وصناعة الأثر

banner title

مقالات مرتبطة

الشيخ طه عامر

التربية الراشدة في الغرب.. هل ممكنة؟

الشيخ طه عامر

ماذا قدم الإمام القرضاوي لمسلمي الغرب؟

د. ونيس المبروك

التطبيع مع الإفساد