path

العلامة محمد حميد الله .. سبعون عامًا في خدمة الإسلام من قلب أوروبا

article title

في غرفة متواضعة فوق سطح إحدى البنايات العالية في باريس، كان رجل نحيل يكتب بخط دقيق على قصاصات صغيرة من الورق، يملأ الصفحة حتى آخرها كي لا يضيع منها شيء.

لا خادم عنده ولا هاتف، وفي أرجاء الغرفة تتراكم الكتب والمخطوطات.. من ذلك المكان الصغير خرجت ترجمات وتحقيقات وبحوث وصلت إلى مكتبات أوروبا وجامعاتها وإلى مسلميها.

اسمه الدكتور محمد حميد الله (1908-2002م)، وقد قضى في أوروبا قرابة نصف قرن، وكان حضوره فيها مثالًا على أنَّ المسلم يستطيع أن يعيش في قلب القارَّة العجوز، وأن يُحاورها بلغتها ومناهجها، وأن يُحافظ على هُويَّته من غير انغلاقٍ ولا ذوبان.

من حيدر آباد إلى بون والسوربون

وُلِد حميد الله في [16 المحرم 1326هـ الموافق 19 فبراير 1908م] في مدينة حيدر آباد الدكن بالهند، في أسرة علميَّة عُرفت بالتأليف والقضاء والتحقيق. وقد تلقَّى علومه الشرعية واللغوية في المدرسة النظامية، ثم درس في الجامعة العثمانية بحيدر آباد وتخصَّص في القانون، فنال الماجستير ودرجة البكالوريا في الحقوق.

ثم ابتُعث إلى ألمانيا، فنال الدكتوراه من جامعة بون عن رسالة في العلاقات الدولية في الإسلام. وبعدها مضى إلى باريس، فنال دكتوراه ثانية من السوربون عن بحثٍ في الوثائق السياسيَّة للعهد النبوي والخلافة الراشدة.

صدرت هذه الرسالة بالفرنسية سنة 1935م، ثم ظهرت بالعربية في القاهرة سنة 1941م باسم «مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة»، وجمع فيها 373 وثيقة، وأُعيدت طباعتها مرَّات كثيرة، وما تزال مرجعًا أساسيًّا في بابها.

يقول المؤرِّخون إنَّه حصَّل هذه الشهادات وهو دون الثلاثين من عمره بقليل، وإنَّه أتقن لغات أوروبا من داخل مجتمعاتها: الألمانية والفرنسية والإنجليزية، ثم التركية والإيطالية وغيرها. وهذا ما سيصنع لاحقًا قوَّة حضوره في أوروبا؛ فقد كان يُحدِّث الأوروبيين بلغتهم، ويستند في ذلك إلى مناهجهم في التوثيق.

باريس: من اضطرار إلى رسالة

لم يكن استقراره في باريس خيارًا مخطَّطًا له؛ ففي سنة 1948م اختارته حكومة حيدر آباد عضوًا في وفد رسمي إلى الأمم المتحدة، ليعرض قضية استقلال الولاية. غير أنَّ الهند ضمَّت حيدر آباد إلى اتِّحادها قبل أن تكتمل مفاوضات الوفد، فعاد أعضاؤه إلى الهند، وبقي هو في فرنسا. وتروي بعض المصادر التي ترجمت له أنَّه ظلَّ يحمل جواز سفر حيدر آباديًّا ولم يطلب جنسيَّة بلدٍ آخر، وأنَّه تُوفِّي وهو على ذلك.

من هذه النقطة بدأت مرحلة جديدة؛ فقد التحق بالمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) في فرنسا، وتُفيد المصادر بأنَّه ظلَّ يعمل فيه عشرين عامًا أو أكثر، وتذكر بعض التراجم أنَّه ارتبط كذلك بكوليج دو فرانس. وبين ذلك ألقى محاضرات في جامعات فرنسا وألمانيا وتركيا (إسطنبول وأنقرة) وغيرها، وعمل أستاذًا زائرًا في كلية الإلهيات بجامعة إسطنبول.

وقد التفت -رحمه الله- مبكرًا إلى حاجة الطلبة المسلمين الوافدين إلى باريس، فبادر إلى تأسيس جمعية للطلبة المسلمين، حفظًا لهويتهم الإسلامية وحمايةً لهم من الذوبان في ثقافة البلد المضيف.

وهذه الفكرة قريبةٌ جدًّا من أسئلة المسلمين في أوروبا اليوم ومن أكثر ما يشغلهم.. كيف يبقون متمسِّكين بدينهم من غير أن ينفصلوا عن مجتمعهم؟!

القرآن والتعريف بالإسلام بلسان فرنسي

من أبرز ما قدَّمه لفرنسا والفضاء الفرنكوفوني، ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى الفرنسية، وقد صدرت منها أكثر من عشرين طبعة، وتداولها القرَّاء في أوروبا وإفريقيا وغيرهما. وتؤكِّد المصادر أنَّه كان يُعنى بدقَّة اللفظ وبقرب الترجمة من الأصل.

وله كتاب «نبي الإسلام: حياته وأعماله» بالفرنسية في جزأين، وكان آخر طبعاته -على الأغلب- سنة 1989م، وكتاب «التعريف بالإسلام» الذي ذكرت المصادر أنَّه تُرجِم إلى ثلاث وعشرين لغة، وكتاب «ست رسائل دبلوماسية للنبي»، ومؤلَّفات أخرى منها «لماذا نصوم؟».

كما أعدَّ فهرسًا لترجمات معاني القرآن الكريم صدر في إسطنبول، وصحَّح ترجمة بوسكيه (Bousquet) لصحيح البخاري إلى الفرنسية.

ولم تكن غايته الوعظ، بل التقديم الهادئ للإسلام للقارئ الذي لا يعرف عنه إلَّا القليل؛ حيث كان يكتب للقارئ الفرنسي بلغةٍ واضحة، ويسند ما يقوله إلى النصوص والوثائق، ولا يضع خصومه في موضع الاتهام؛ بل يعرض عليهم الأدلَّة. ولهذا قيل إنَّه خاطَب الباحثين الغربيِّين بأسلوبهم ومعاييرهم العلميَّة، ثم أثبت قيمة ما عنده بالحُجَّة.

إخراج المخطوطات: حين تُفتَح خزائن التراث

وكان لإقامته في أوروبا وجهٌ آخر قلَّما يُذكَر: أنَّها فتحت له خزائن المخطوطات في برلين وباريس ودمشق وفاس وغيرها، فعمل على إخراج كنوزٍ كانت حبيسة الرفوف.

ومن أشهر ما أنجزه:

- «صحيفة همَّام بن مُنبِّه»:

عثر على مخطوطتها في برلين أثناء دراسته بألمانيا، ثم قارنها بنسخةٍ أخرى في المكتبة الظاهرية بدمشق. وحقَّقها وكتب لها مقدِّمةً مطوَّلة في تدوين الحديث، ونشرها في بيروت (الطبعة الأولى سنة 1979م). وهي تضم 138 حديثًا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، ومن خلالها دلَّل على أنَّ كتابة الحديث بدأت في العهد النبوي نفسه، وهو ما ردَّ به على من زعم أنَّ التدوين متأخِّر. ويُشار إلى أنَّ تتبُّع هذا الأمر كان جزءًا من حواره مع مدرسة الاستشراق التي شكَّكت في هذا الباب.

- «سيرة ابن إسحاق»:

وجد لها نسخةً في الظاهرية بدمشق وأخرى في مكتبة القرويِّين بفاس، وأعدَّها بالمقابلة بين النسختين، وصدرت في الرباط سنة 1976م.

- «أنساب الأشراف» للبلاذري، و«الذخائر والتحف»، و«كتاب النبات» للدينوري، و«السير الكبير» للشيباني، وغيرها من كتب التاريخ والفقه واللغة.

- «السرد والفرد»:

وهو مجموع صحائف حديثية نشره بتحقيقه وترقيم أحاديثه وترجمتها إلى الإنجليزية.

وهذه الأعمال مهمَّةٌ للمسلمين وللدارسين الأوروبيين معًا؛ فهي تضع بين أيديهم المصادر الأولى مباشرةً، وتفتح باب الدراسة من الأصل لا من الوساطة.

الإسلام والقانون الدولي: إسهامٌ في الحوار مع الفكر الأوروبي

لعلَّ أكثر ما يلفت – خاصَّةً القارئ الأوروبي- في إنتاج حميد الله، هو اشتغاله بالقانون الدولي؛ فقد كان يرى أنَّ في التجربة الإسلاميَّة الأولى مادَّةً غنيَّةً يمكن أن تُسهم في هذا الحقل.

ومن أبرز ما نُسِب إليه تأصيلُ مبدأ الحياد في القانون الدولي الإسلامي، وإدخال مصطلحات مثل «دولة المدينة» و«دستور المدينة» إلى القاموس العلمي المعاصر، في إشارةٍ إلى الوثيقة التي نظَّمت العلاقة بين المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة المنورة، وقد عدَّها أول وثيقة دستوريَّة في تاريخ الإسلام.

ويمكن أن يُقال إنَّ هذا المنهج يحمل رسالةً مفيدةً لأوروبا: أنَّ الإسلام ليس مجرَّد عقيدة وشعائر، بل له تاريخ في التنظيم والعهود والمواثيق، وأنَّ فيه نصوصًا مكتوبةً قابلةً للدراسة والمقارنة والنقد العلمي. وفي المقابل يحمل رسالةً للمسلمين: أنَّ تراثهم يستحقُّ أن يُعرَض بأدوات العصر، وأنَّ الدفاع عنه يكون بالتحقيق والدليل قبل الانفعال.

نموذج في الزهد والتواضع

أمَّا شخصيَّته، فتُجْمِع المصادر على أنَّها كانت زاهدةً متواضعة؛ فقد عاش في شقة صغيرة مستأجرة، ولم يتزوَّج، وكان يقوم بشؤونه بنفسه، ويقتصر في طعامه على ما يسدُّ حاجته.

ولما رُشِّح لجائزة الملك فيصل العالمية سنة 1994م اعتذر عن قبولها، وروى الشيخ إسماعيل الأكوع أنَّه ردَّ عليه بقوله: «أنا لم أكتب ما كتبتُ إلَّا من أجل الله عزَّ وجلَّ، فلا تُفسِدوا عليَّ ديني».

ولمَّا منحَتْه باكستان أرفع أوسمتها لجهوده في السِّيرة، قَبِل الوسام وتبرَّع بقيمة الجائزة -وهي مليون روبية- لمعهد الدراسات الإسلاميَّة في إسلام آباد، وقال: «لو قبلتُ الجائزة في هذه الدنيا الفانية فماذا سأنال هناك في الدار الباقية؟».

وتُروى عنه أخبارٌ تدلُّ على جدِّه في طلب الحقيقة؛ منها: أنَّه صعد جبل أُحُدَ مرَّتين ليُحدِّد موضع استراحة النبيِّ ﷺ بعد جرحه، وأنَّه سار من مكَّة إلى حُنين على قدميه ومرَّةً أخرى على حمار، ليعيش تجربة الصحابة في طريق الغزو قبل أن يكتب عنها.

ومن ذلك أيضًا أنَّه أوقف تأليف كتابه عن ساحات القتال في العهد النبوي سنين، حتى زار المدينة المنورة وعاين مواضع المعارك، ثم أتمَّه.

كلمة في الأرقام

كان من الجدير بنا ونحن نكتب لقارئ يحترم التوثيق، أن نتوقَّف عند الأرقام التي تتردَّد في سيرته؛ فالمصادر تتحدَّث عن عدد مؤلَّفاته بأرقام تبدأ من نحو 150، ثم 165، ثم 175، وبعضها يذكر 350 ولا يوثِّقها. وقد ذُكِر أنَّ مقالاته تجاوزت 900 مقال، وفي روايةٍ أخرى أكثر من ألف. وعدد اللغات التي عرفها يتراوح بين عشر وعشرين واثنتين وعشرين، وكتب منها في سبعٍ على الأقل: العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والتركية والأردية والفارسية..

ولهذا رأينا أنَّه من الأجدر والأولى ألَّا نرجِّح إحدى هذه الأرقام أو نذكرها منسوبة إلى أحد المصادر إخلاء لذمَّتنا فقط؛ إنَّما نعرضها جميعًا للأمانة مع بيان أنَّ كلَّها مرويات ولم نقف على توثيق لها، وإن كان هذا الشأن قد لا يفيد بعض القراء ممن يهمهم العبرة لا الأرقام وهذا بالتأكيد هو الغرض الرئيس من المقال، ولكن علينا أن نعتبر دوما وجود الباحثين المختصين الذين من حقهم علينا تتبع المصادر وتوثيق الأخبار والأرقام.

أمَّا عدد من أسلموا على يديه فتختلف أيضًا فيه الروايات اختلافًا كبيرًا، من المئات إلى الآلاف، ثم إلى ثلاثين ألفًا وخمسين ألفًا في بعض الأقوال، ولم نجد في ذلك إحصاءً موثَّقًا يُعتمَد عليه.. فرأينا أن من الأدقُّ والأولى أن نقول: إنَّ عددًا كبيرًا من الفرنسيِّين، ومنهم مثقفون وباحثون، اهتدوا أو تأثَّروا بما قدَّمه من علمٍ ودعوة، وأنَّ الله أعلم بالأعداد.. وهذه الحيطة في النقل تليق بسيرته رحمه الله؛ فقد عُرِف عنه -رحمه الله- الدقة في التوثيق.

ماذا تقول سيرته لمسلمي أوروبا اليوم؟

أولًا: أنَّ الاندماج الإيجابي لا يعني التخلِّي عن الهوية؛ فقد عاش حميد الله في باريس نحو نصف قرن، وأتقن لغتها وثقافتها، ومع ذلك بقي معتزًّا بدينه ومتمسِّكًا بأخلاقه.

ثانيًا: أن العلم والتوثيق هما أقوى أدوات الحوار.. فقد ردَّ على المشككين بالمخطوطات والمقابلة بين النسخ، لا بالجدل الصاخب.

ثالثًا: أن الأقلية المسلمة يمكن أن تكون مصدر إثراء للمجتمع الأوروبي: بالترجمة والتعريف الأمين بالإسلام، وبحماية الشباب من التيه، وبفتح باب المعرفة الصحيحة أمام جيرانهم وزملائهم.

ورابعًا: أن القدوة تؤثر أكثر من الخطابة. فبحسب من عرفوه كان تواضعه وصدقه وبساطته أبلغ من أي مقال، وهو ما جعل كثيرين يقتربون منه.

الختام.. بعد سبعين عامًا في خدمة الإسلام

توفي الدكتور محمد حميد الله في 17 ديسمبر 2002م، وهو في الرابعة والتسعين من عمره، بعد أن عمل قرابة سبعين سنة في التأليف والتحقيق، وقد ذُكر أنَّ مرضه ألزمه الفراش في آخر حياته.

وقد ترك مكتبةً أكثر ممَّا ترك مالًا، وتركَ أثرًا في فرنسا وأوروبا وفي العالم الإسلامي.. وما أحوجنا اليوم -في أوروبا خاصَّةً- إلى مثل هذه النماذج التي تجمع بين العلم والإيمان، وبين الانفتاح والثبات.

رحم الله الدكتور محمد حميد الله، وجزاه عن الإسلام والمسلمين وعن العلم خير الجزاء.

✍️ كتبه: محمد خالد من إدارة الإعلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع

1. محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. القاهرة، 1941م.

2. محمد حميد الله: صحيفة همام بن منبه. بيروت: ط1، 1979م.

3. محمد ابن إسحاق: السيرة. تحقيق: محمد حميد الله. الرباط: معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، 1976م.

4. البلاذري: أنساب الأشراف. تحقيق محمد حميد الله. القاهرة: معهد المخطوطات.

5. الطالقاني القزويني: السرد والفرد. تحقيق: محمد حميد الله. إسلام آباد: 1990م.

6. محمد ذاكر خان: «الدكتور محمد حميد الله رحمه الله: مفكرًا وباحثًا إسلاميًّا فريدًا»، الرياض.

7. محمد شهاب الدين السبيلي: «الدكتور محمد حميد الله ومنهجه في كتابة السيرة النبوية».

8. عبد الفتاح أبو غدة: مقدمة تحقيق الموقظة في علم مصطلح الحديث للإمام الذهبي، ص 12.

8. Hamidullah, Muhammad. Le Saint Coran : traduction intégrale et notes. Paris.

9. Hamidullah, Muhammad. Le Prophète de l’Islam : sa vie, son œuvre. 2 vol. Paris, 1989.

10. Hamidullah, Muhammad. Introduction à l’Islam. Paris.

إدارة الإعلام

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

ليدي إيفلين كوبولد.. من أدنبرة إلى مكة

feather إدارة الإعلام

روبرت رشيد ستانلي.. عمدة إنجليزي أخفت عائلته إسلامه قرنًا كاملًا

feather إدارة الإعلام

اقرأ أيضا للإمام

article title

الريسوني: تكفير المسلمين بدعة وتكلف

article title

العجيبة الثامنة | علي الطنطاوي

article title

كيف تكتب وصيتك الشرعية؟ دليل عملي للمسلم في أوروبا

banner title

مقالات مرتبطة

إدارة الإعلام

ليدي إيفلين كوبولد.. من أدنبرة إلى مكة

إدارة الإعلام

روبرت رشيد ستانلي.. عمدة إنجليزي أخفت عائلته إسلامه قرنًا كاملًا

إدارة الإعلام

عبد الله كويليام .. المحامي الإنجليزي حامل لقب "شيخ الإسلام" في بريطانيا