روبرت رشيد ستانلي.. عمدة إنجليزي أخفت عائلته إسلامه قرنًا كاملًا

في زحمة التاريخ الفيكتوري، حيث تُروى قصص الساسة والأعيان بتفاصيل دقيقة موثَّقة، ظلَّت سيرة رجلٍ واحد طيَّ الكتمان لأكثر من مائة عام؛ لا لأنَّه كان مغمورًا أو بلا أثر، بل لأنَّ عائلته اختارت أن تُخفي عنه أهمَّ ما في حياته: أنَّه كان مسلمًا.
هذا الرجل هو "روبرت رشيد ستانلي" (1828-1911)، البقَّال الذي صار عمدة بلدة "ستاليبريدج" القريبة من مانشستر، والذي لم يكتشف أحفاده حقيقة دينه إلَّا في عام 1998، حين بحث والدهم في شجرة العائلة فعثر على وثائق ويوميَّات تكشف الحقيقة المُغيَّبة.
ومن هذا الاكتشاف، انطلقت رحلة بحث عائلية توسَّعت لتُصبح جزءًا من سلسلة وثائقيَّة بعنوان "مسلمو العصر الفيكتوري"، تُعيد الاعتبار لفصل مجهول من تاريخ الإسلام في بريطانيا.
من صبي بقالة إلى عمدة من الطبقة العاملة
لم يكن التعليم إلزاميًّا في طفولة "ستانلي"؛ فحين بلغ العاشرة من عمره احتضنه عمُّه "جون"، وأدخله إلى العمل في متجره لتجارة الشاي في بلدة "أشتون أندر لاين"، قبل أن يرث عنه المهنة لاحقًا.
وفي بيئة أسرية كانت تُقدِّر العلم وتُتيح لأفرادها قراءة الكتب والصحف على قلَّتها في تلك الحقبة، تعلَّم الفتى ذاتيًّا، وشكَّل لنفسه وعيًا سياسيًّا واجتماعيًّا نادرًا لأبناء طبقته.
كانت بريطانيا الفيكتورية تعيش تقلُّباتٍ عاصفة، خلَّفتها الثورة الصناعية وموجات الإصلاح؛ من عنف واحتقان طبقي. وفي خِضَمِّ هذا المناخ، انخرط "ستانلي" في الحراك الاجتماعي مناصرًا للعمَّال، وتحدَّى نفوذ أصحاب المصانع الذين كانوا يستخدمون المال والضغط لتوجيه أصوات الناخبين.
خاض الانتخابات وفاز فيها، ثم تدرَّج حتى صار من أوائل قضاة الطبقة العاملة وعُمَدِها في بريطانيا، وهو أمرٌ استقبلته الصحف باستغراب لا يخلو من السخرية، حين علَّقت باستهجان على انتخاب بائع بقالة لمنصب العمدة.
لم يكن "ستانلي" رجلًا يسير مع التيار؛ فحين دخل مجلس العموم مستشارًا للجنة برلمانية عام 1869، عمل على إنشاء صندوق يحمي العمَّال المفصولين بسبب رفضهم التصويت وَفق رغبة أصحاب العمل. وحين طالبته الحكومة -وهو عمدة في تلك الفترة- بالمشاركة في اجتماعات لإدانة ما عُرف بـ "واقعة الرعب البلغارية" عام 1876، رفض التصويت، معتبرًا أنَّ للسياسات البريطانيَّة نفسها دورًا فيما جرى. كان هذا الموقف وحده كافيًا لأن يضعه في موضع الشكِّ والريبة من محيطه.
الطريق إلى الإسلام: عقلٌ يبحث عن الحقيقة
جاء "ستانلي" من "الكنيسة السبتية" وهي طائفة مسيحيَّة بروتستانتيَّة ملتزمة بطقوس السَّبت وتقديسه، وكان زعيمًا لأبناء طائفته في مدينته، لكنَّ مهنته في تجارة الشاي فتحت له نافذةً على العالم؛ فقد اعتاد لقاء تجَّارٍ من جنسيَّاتٍ وثقافاتٍ مختلفة، وسمع عن قيم المسلمين وممارساتهم، في وقتٍ بدأ فيه البحَّارة المسلمون يظهرون بشكل عادي في الموانئ البريطانيَّة ضمن الأسطول التجاري.
ثم كان لقاؤه بالدبلوماسي "ديفيد أوركهارت" -الذي عاد من مهمَّةٍ استخباراتيَّة في تركيا برؤيةٍ مختلفة تمامًا عن العالم الإسلامي- نقطة تحوُّلٍ مهمَّة في مسار "ستانلي"، الذي بدأ يقترب أكثر من هذا الدين الذي رآه قائمًا على المنطق والعقل، بعيدًا عن الصراعات السياسيَّة التي كانت تستغلُّ الدين لأغراضٍ انتخابيَّة.
وفي عام 1898، وكان قد بلغ التاسعة والستين من عمره، اتَّخذ "ستانلي" قراره: باع حانته، وأعلن إسلامه، متأثرًا بلقائه "عبد الله كويليام"، حامل لقب "شيخ الإسلام في الجزر البريطانية"، ومؤسِّس أول مسجد في البلاد بمدينة ليفربول.
واختار لنفسه اسم "رشيد"، وانتقل إلى مانشستر ليُصبح نائبًا لصديقه "كويليام" في إدارة شؤون المسجد، وكاتبًا منتظمًا في صحيفة "الهلال" الإسلاميَّة الأولى في بريطانيا.
وعلى الرغم من فارق العمر الكبير بينهما؛ إذ كان "ستانلي" يكبر "كويليام" بثمانية وعشرين عامًا، فقد نشأت بينهما علاقة قريبة من علاقة الأب بالابن، جمعتهما مسؤوليَّة إدارة أول تجربة إسلاميَّة مؤسَّسيَّة في بريطانيا الحديثة.
ثمن القناعة: الشبهة والعزلة
لم يكن اعتناق الإسلام في تلك الحقبة قرارًا هيِّنًا؛ فمع توثُّق العلاقة بين مسجد ليفربول والدولة العثمانية، وتقديم "ستانلي" وصديقه المشورة للخليفة العثماني في شؤون متفرِّقة، بدأت الشكوك تحوم حول ولاء الرجلين لبلدهما، حتى وُصفا بأنهما موضع شبهة كـ"خائنين محتملين". وكان المسلمون في تلك الفترة يوصمون بعبارات قادحة تُلمِّح إلى تحوُّل هويَّتهم وولائهم، لمجرد اقترابهم من العالم الإسلامي.
ولعلَّ هذا المناخ من الشكِّ والإحراج الاجتماعي هو ما يُفسِّر -في تقدير أحفاده- اختيار العائلة التستُّر على إسلام جدِّهم بعد وفاته، وإبقاءه سرًّا لعقودٍ طويلة، خوفًا من أن يُنظر إلى الأسرة كلِّها بعين الريبة.
حين تصبح الحقيقة إعادة اعتبار
بقي إسلام "روبرت رشيد ستانلي" مطمورًا حتى أعاد أحد أحفاده، "ستيفن لونغدين"، بحث شجرة العائلة، ليكتشف الحقيقة عام 1998. والمفارقة أنَّ "ستيفن" نفسه كان قد اعتنق الإسلام قبل ذلك بسبع سنوات، عام 1991، بعد رحلة دراسيَّة إلى القاهرة تعرَّف خلالها على اللغة العربيَّة والثقافة الإسلاميَّة، دون أن يعلم شيئًا عن جدِّه الأكبر. وحين علم بالأمر، وصفه بأنَّه "مفاجأة مذهلة"، ورأى فيه تأكيدًا على أنَّ الوقوف علنًا على القناعات -دينيَّة كانت أو سياسيَّة- ليس أمرًا غريبًا حتى في مدينة كمانشستر.
أمَّا شقيقته "كريستينا لونغدين"؛ فقد كرَّست جهدًا بحثيًّا موسَّعًا لإعادة بناء سيرة جدِّها، فألَّفت كتابين عنه: الأول يُوَثِّق حياته وعصره بمنهج بحثي، والثاني يُعيد تخيُّل مشاهد من حياته بأسلوب أدبي.
وقد كتبت البارونة سعيدة وارسي في تقديمها لأحد الكتابين أنَّ هذه السيرة "متجذِّرة في الماضي، وشخصيَّة للغاية، وتُشكِّل حاضرنا"، في إشارة إلى صلتها المباشرة بنقاشات الهوية والانتماء التي يعيشها مسلمو أوروبا اليوم.
رسالة إلى مسلمي أوروبا اليوم
تحمل قصة "روبرت رشيد ستانلي" أكثر من دلالة لمن يُتابعها من مسلمي القارة العجوز اليوم. فهي أولًا شاهدٌ على أنَّ حضور الإسلام في أوروبا ليس ظاهرة عابرة أو مستوردة، بل امتداد لجذور تعود إلى القرن التاسع عشر، حين وجد رجال ونساء من صميم المجتمع الإنجليزي في هذا الدين إجابات عقليَّة ووجدانيَّة لم يجدوها في محيطهم.
وهي ثانيًا درسٌ في الثبات على القناعة، ولو كلَّف ذلك صاحبها موقع الشبهة والعزلة الاجتماعيَّة والسياسيَّة. فـ"ستانلي" لم يتخفَّ خلف مكانته الرسميَّة، بل أعلن اختياره على الملأ في سنِّ السبعين، وهو عمرٌ لا يترك للمرء كثيرًا من الحسابات الدنيويَّة، بل يجعل القرار أقرب إلى تحرٍّ خالص عن الحقيقة.
وهي ثالثًا تذكير بأنَّ الخوف من "الآخر" الذي دفع عائلة بأكملها إلى إخفاء هوية جدِّها الدينيَّة لقرنٍ كامل، لا يزال حاضرًا بأشكال مختلفة في تجارب كثيرٍ من الأسر المسلمة في أوروبا اليوم. ولكن ما فعله أحفاد "ستانلي"، من استعادة سيرته والاحتفاء بها علنًا، يقول إنَّ زمن التخفِّي بدأ يتراجع لصالح زمن الاعتراف والفخر بالهوية، بلا تناقض مع الانتماء إلى المجتمعات الأوروبية التي يعيش فيها هؤلاء المسلمون ويُسهمون في بنائها.
فالتاريخ، كما تكشفه سيرة هذا العمدة الإنجليزي المسلم، ليس دائمًا ما كُتب في الوثائق الرسميَّة، بل ما ظلَّ حيًّا في الذاكرة العائليَّة، ينتظر من يجرؤ على سؤاله.
المصادر والمراجع
• الجزيرة الوثائقية، "مسلمو العصر الفيكتوري: روبرت رشيد ستانلي.. الرجل الذي أخفت عائلته إسلامه عن أحفادها"، برنامج بورتريه، 19 مارس 2025. تاريخ الاطلاع: 27 يوليو 2026، الرابط: https://doc.aljazeera.net/portrait/2025/3/19
• Longden, Christina. His Own Man: A Victorian 'Hidden' Muslim – The Life and Times of Robert 'Reschid' Stanley. Past Truisms CIC, 2019.
• Longden, Christina. Imagining Robert: Scenes from the Life of Robert 'Reschid' Stanley. Past Truisms CIC, 2019.
• Longden, Christina. "The Discovery." Robert Reschid Stanley (الموقع البحثي الرسمي)، 2019. تاريخ الاطلاع: 27 يوليو 2026، الرابط: https://robertreschidstanley.wordpress.com/discovering-robert-reschid-stanley
• "My Ancestor Was One of the First British Muslims." Who Do You Think You Are Magazine, 14 November 2023. تاريخ الاطلاع: 27 يوليو 2026، الرابط: https://www.whodoyouthinkyouaremagazine.com/real-stories/my-ancestor-was-one-of-the-first-british-muslims
• "An Appeal to the British Public – From Robert 'Reschid' Stanley's Family." Abdullah Quilliam Mosque & National Heritage Centre, 17 March 2021. تاريخ الاطلاع: 27 يوليو 2026، الرابط: https://www.abdullahquilliam.org/appeal-members-british-public-robert-reschid-stanleys-family
• Birt, Yahya. "Britain's First Muslim Mayor: Robert Reschid Stanley (1828–1911)." Medium, 1 October 2019. تاريخ الاطلاع: 27 يوليو 2026، الرابط: https://yahyabirt.medium.com/britains-first-muslim-mayor-robert-reschid-stanley-1828-1911-2afda9dafad5
• "Robert Stanley (mayor)." Wikipedia, The Free Encyclopedia. تاريخ الاطلاع: 27 يوليو 2026، الرابط: https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_Stanley_(mayor)
إدارة الإعلام