التربية الراشدة في الغرب.. هل ممكنة؟

ليس أمرًا بعيد المنال أن نربي أبناءنا في الغرب وعالمنا المعاصر تربيةً إسلاميةً راشدة، تجمع بين الصلة بالوحى المقدس واحترام العقل، وبين تقدير المادة والتمتع بالطيبات من الرزق وتلبية أشواق الروح والعناية بطهارة القلب وصلاحه، رغم ما للبيئة من تأثير كبير على أخلاق وسلوك وعقيدة الطفل ومعالم شخصية الشاب والفتاة، إلا أن قناعتنا: أن الكلمة العليا في نشأة أولادنا ستبقى للأسرة والمعلم الملهم والمربي النبيل، من حيث نوع التربية التي يتلقاها الطفل، وطبيعة النشأة التي سينشأ عليها، ومدى الجهد المبذول من ناحية الوالدين أولا، وشكل العلاقة الناضجة والثقة المتبادلة بين الآباء والأبناء، وإشباع الحاجات الأساسية لهم.
بقدرتنا أن نُهدِى للغرب وللعالم جيلًا محبًا لوطنه ناشرًا للعلم والرحمة والمحبة والسلام، مؤمنا بالله تعالى، موصولًا به محبًا له، متعلقا بالرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم، نافعًا للناس، منتميا لأمته، محبا للخير لكل للعالم.
لماذا نقدر على تربية أبنائنا على مثال رباني؟
هل يمكن حقًّا أن نصنع جيلًا مؤمنا في ظل التحديات القائمة؟
هل يمكن أن نُحقِّق المعادلة الصعبة فنرى أولادنا في الغد القريب من أهل الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة؟
نعم، يمكن وتلكم بعض الدلائل:
أولًا: لا تكليف إلا بوسع
تلك القاعدة الجليلة مستنبطة من قول الله تعالى:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا...} [البقرة: 286].
إنَّ الله تعالى لم يكلفنا فوق طاقتنا، وإن كلَّفنا بشيءٍ أمدَّنا بأسبابه، ولم يأمرنا بما لا قدرة لنا على القيام به؛ فالواجبات التي كلَّفنا الله بها تدخل ضمن قدرتنا وإمكاناتنا، فإن عجزنا عن شيءٍ لظرفٍ خارجٍ عن إرادتنا فقد جعل الله لنا سبيلًا في الرخصة الشرعيَّة، وما نهانا الله تعالى عنه نستطيع أن ننتهي عنه؛ فهو الخالق الذي يعلم السرَّ وأخفى، ويعرف طبيعة خلقه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
فمن رسم طريقه وعرف قبل أن يتزوَّج غايتَه من الزواج، وغايته من الإنجاب، هانت عليه التكاليف، ولنتعلَّم من السادة الأنبياء كيف تكون الغاية من وجود الأولاد في حياتنا؛ ها هو زكريا عليه السلام دعا ربه: {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38].
هب لي من لدنك ذرية طيِّبة.. طيِّبة النشأة، طيِّبة القلب، طيِّبة الفكر، طيِّبة الروح، طيِّبة الخلق، طيِّبة السلوك، طيِّبة الحياة.
وفي موضع آخر: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)} [مريم: 5،6].
هب لي من لدنك وليًّا؛ لك خالصًا، لك عابدًا، والوراثة هنا هي وراثة العلم، ووراثة الحكمة، ووراثة رسالة الإصلاح والتغيير والهداية والنور والقيام بحقِّ الخلافة في الأرض.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العلماء ورثة الأنبياء وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر». (رواه أبو داود والترمذي وغيرهما).
ثانيًا: أطفالنا فطرة سوية وقلوب نقية
تناول القرآن الكريم الحديثَ عن الفطرة في مواضع كثيرة، قال تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].
يقول الإمام الطبري في معنى قوله جلَّ ذكره: فطرة الله: "صنعة الله التي خلق الناس عليها".
قلتُ: لقد أسرتني هذه العبارة من الإمام الطبري، وإنَّني أرجو من القارئ الكريم أن يقف عندها.
صنعة الله.. الكاملة الوافية المباركة التي لا عِوَج فيها ولا تفاوت.
إنَّ الله جلَّ في علاه لم يصنع شيئًا إلَّا وهو في غاية الإتقان والإحكام والنظام والتناسق والجمال، أمَّا الفوضى والتشتُّت والفساد فهو ممَّا جنته يد بني آدم.
خلق الله الكون مباركًا فسيح الأركان جميل البنيان متناسق التركيب، أمَّا تلوث البيئة والعدوان عليها والظلم في توزيع الثروة وقطع أشجار الغابات وقهر الفقراء، فهو أثرٌ من جشع الإنسان وفساد فطرته بيده هو.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم موضحًا حقيقة الفطرة السوية التي خُلق عليها الإنسان، ففي الحديث الصحيح:
«ما من مولودٍ إلَّا يُولَد على الفطرة؛ فأبواه يُهَوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسُّون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: "فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم". (رواه البخاري ومسلم).
وفي حديثٍ رواه مسلم في الصحيح يقول الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا».
تلك هي الحقيقة؛ حنفاء: أي مائلين وقابلين للحقِّ بفطرتهم السليمة.
فالطفل ورقةٌ بيضاء وقطعةٌ من نور الحقِّ وضياء التوحيد، وهي كالأرض الخصبة تجني منها ما زرعْت فيها وتزيد، فإنْ غرسْتَ في أحشائها ورْدًا، رجعت عليك بورودٍ زاهية الألوان عطرة الرائحة، وإنْ غرسْتَ صبَّارًا [نبات شديد المرارة] لن تجده إلَّا مُرًّا، وإنْ زرعْتَ شوكًا لن يكون ياسمينًا.
اغرس في قلب ولدك محبَّة الله تعالى والرغبة في لقائه والشوق إلى جنَّته، ستراه يخشى الله ويتَّقِه إذا خلا بمحارمه.
اغرس في قلبه محبَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفته عن علم، وصِلْ قلبه به بكثرة مطالعة سيرته الشريفة والصلاة عليه، سيترسَّم خطاه ويهتدي بهداه ويقتفي أثره.
واعلم أيها القارئ الكريم أنَّك بقدر ما تتمنَّى تتعنَّى كما قال أهل العلم، وكما قال الشاعر:
لا تحسبنَّ المجد تمرًا أنت آكله
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرَ
- هل تريد أن يكون ولدك صالحًا مصلحًا، نقيًّا تقيًّا، راشدًا مرشدًا، كريمًا وفيًّا، شجاعًا أبيًّا؟
اصنع له عالَمًا وبيئةً تُعينه على طريق الإيمان والصلاح والإصلاح، والطُهر والنقاء، والعطاء والوفاء.
- هل تريد أن يكون ولدك رفيقًا حنونًا لطيفًا كريمًا إيجابيًّا مبادرًا للخيرات وصَّالًا للرحم مجافيًا للمنكرات؟
كن به رحيمًا قريبًا ودودًا.
- هل تتوق أن يكون بك بارًّا حَفِيًّا؟
املأ قلبه حُبًّا وعطفًا تجده بك عطوفًا رحيمًا وفيًّا رضيًّا، اغرس الرِّفْق وصِلَة الرَّحِم تجدْه عند الكِبَر بجوارك.
بيَّن الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء تلك الحقيقة التربويَّة الهامَّة في عبارة رائعة:
«والصبيان أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ وَصُورَةٍ وَهُوَ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا نُقِشَ وَمَائِلٌ إِلَى كُلِّ مَا يُمَالُ بِهِ إِلَيْهِ فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وشاركه في ثوابه أبوه وَكُلُّ مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ وَكَانَ الْوِزْرُ في رقبة القيم عليه والوالي له». [إحياء علوم الدين (3/ 72)]
كم شعرت بالألم والحزن حينما قرأت كلام الإمام أبي حامد! .. نعم، قلوب أطفالنا طاهرةٌ نقيَّة، وفطرتهم خاليةٌ من الشَّهوات والشُّبُهات، ومن فتنة الدنيا وزينتها.. قلوبٌ طاهرةٌ من الحقد والحسد، طاهرةٌ من الكراهية.. قلوبٌ بريئة، تُسعدِها كلمة وتأسرها بسمة.. قلوبٌ لا يَعْلَقُ بها أثر خصامٍ عارض، ولا غضبٍ طارئ، لا تعرف الكيد والمكر السيِّء، لا تعرف إلا الصَّفاء والنَّقاء، فكيف نُحافظ عليها؟ وكيف نُبقيها بجمالها وروعتها ورقَّتها؟
هذا هو التحدِّي الكبير في زماننا؛ حيث الإفساد الممنهج ضدَّ الفطرة، ومكر الليل والنهار يعملان دون كلل، لكنَّ الله غالبٌ على أمره.
- الكلمات الدلالية
- التربية
- أوروبا
- الغرب
- تربية الأبناء
الشيخ طه عامر