ثقافة العَنَزَة والعصا

في مسيرة الحياة، ليست كل الأشياء التي يحملها الإنسان مجرد أدوات؛ فبعض الأشياء تتحول مع الزمن إلى رموز تختزن معاني أعمق من صورتها المادية.
ومن هذه الأشياء العصا؛ ذلك الشيء البسيط الذي عرفه الإنسان منذ القدم، واتخذه للمشي والرعي والاستناد والدفاع وغير ذلك من شؤون الحياة.
وفي القرآن الكريم مشهد بالغ الدلالة حين سأل الله تعالى موسى عليه السلام: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾، ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 17-18].
تأمل عبارة موسى عليه السلام: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾؛ فهو لا يحصر وظيفة عصاه في مهمة واحدة؛ فهي للاستناد، ولرعاية الغنم، وله فيها حاجات أخرى.. وكأن في ذلك إشارة إلى أن الإنسان نفسه لا يستطيع أن يعيش بوظيفة واحدة، ولا بأداة واحدة، ولا بمعين واحد؛ لأنَّ حاجاته متعددة، ومراحل حياته متغيرة، وطريقه مليء بالمنعطفات.
ومن هنا يمكن أن نتحدث عن ثقافة العَنَزَة، لا باعتبارها تعلقًا بعصا مادية، وإنما باعتبارها ثقافة البحث عن المعين الذي يسند الإنسان في طريقه.
والعَنَزَة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم عصا أقصر من الرمح في طرفها حديدة، وقد ثبت أن النبي ﷺ كانت تُحمَل له، وكان يستعملها في بعض أحواله، ومن ذلك أنه كان يجعلها سترة أمامه في الصلاة إذا صلى في الفضاء.
وليس المقصود هنا الخلط بين الألفاظ الواردة في السنة؛ فالعَنَزَة ليست هي كل عصا، كما وردت ألفاظ أخرى كالعصا والقضيب والمِحجن، ولكل منها دلالته واستعماله، لكن الجامع بينها أن الإنسان كان يستخدم ما في يده من أدوات استخدامًا عمليًا، ولم تكن البساطة تمنع تعدد الوظائف.
فإذا نظرنا إلى العَنَزَة باعتبارها قطعة من الخشب ذات طرف حديدي فلن نرى إلا شيئًا ماديًّا بسيطًا، أمَّا إذا تجاوزنا شكلها إلى وظيفتها، وجدنا معنى بالغ الأهمية الإنسان يحتاج في سيره إلى ما يعينه على السير.
فالإنسان، مهما بلغ من القوة والمكانة والغنى، لا يستطيع أن يمضي في الحياة معتمدًا على نفسه وحدها، وهذه ليست علامة ضعف، بل حقيقة إنسانية؛ فالإنسان مدني بطبعه، يعيش مع الناس، ويتعاون معهم، ويحتاج إلى خبراتهم ومشورتهم ومساندتهم، كما يحتاجون إليه.
ومن هنا تأتي أهمية أن يبني الإنسان ما يمكن أن نسميه شبكة الإسناد؛ فلا يعيش منفردًا، ولا يتوهم أنه يستطيع أن يفعل كل شيء وحده.
إن عبارة ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ تفتح أمامنا معنى تربويًّا واسعًا؛ فالأشياء النافعة في حياتنا لا ينبغي أن نحصرها في وظيفة واحدة، كما أن الأشخاص والخبرات والعلاقات قد تكون أبوابًا متعددة للنفع.
قد يكون العالم مستشارًا، والصديق معينًا في قرار، وأحد أفراد الأسرة مصدر ثبات في أزمة، والمعلم طريقًا إلى معرفة، والمجتمع سندًا في مرحلة من مراحل الحياة.
فالإنسان لا يحتاج إلى الطعام والشراب فقط؛ بل يحتاج إلى من يفهمه، وينصحه، ويعلمه، ويذكره بالله، ويقف إلى جانبه عندما تضيق به الحياة، ولهذا من أخطر الأوهام أن يظن الإنسان أن نجاحه يتوقف على نفسه وحدها.
نحتاج إلى المساعد الفكري الذي يوسِّع مداركنا، والمساعد العلمي الذي يختصر علينا سنوات من التجربة، والمساعد الاجتماعي الذي يذكرنا أننا لا نعيش في فراغ، والمساعد الاقتصادي حين تتعدد المسؤوليات، وقبل ذلك كله نحتاج إلى المعين الإيماني؛ فقد يعرف الإنسان الطريق لكنه يضعف عن السير فيه، ويعرف الحق لكنه يحتاج إلى من يذكره به.
وقد يكون الإنسان غنيًا بالمال لكنه فقير في المشورة، أو غنيًّا بالمعرفة لكنه فقير في العلاقات، أو محاطًا بالناس لكنه يفتقد صديقًا يستطيع أن يتحدث معه بصدق.
ولهذا ليس كل من حولك سندًا؛ هناك فرق بين من يحيط بك ومن يسندك، قد يكون حول الإنسان عشرات الأشخاص، لكنه في لحظة الشدة لا يجد إلا واحدًا، وقد يكون هذا الواحد أثمن من العشرات.
ولهذا ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه من أستند إليه عندما أتعب؟ من أستشير عندما أحتار؟ من ألجأ إليه عندما أضعف؟ من يذكرني بالله عندما أنسى؟ ومن يقول لي الحقيقة عندما يجاملني الآخرون؟
لكن ليس مطلوبًا أن يبحث الإنسان عن شخص واحد يقوم بكل هذه الأدوار؛ فهذا غير واقعي، وكما كانت لعصا موسى عليه السلام مآرب أخرى، فإن حاجات الإنسان متعددة، ولذلك ينبغي أن تكون شبكة دعمه متعددة أيضًا: عالم يستفتيه، وصديق يستشيره، ومعلم يتعلم منه، وخبير يستعين به، وشريك يثق به، وأسرة يجد عندها الأمان، ومجموعة صالحة تشد من أزره.
ومع ذلك، فهناك حقيقة أعظم؛ فالعبد يحتاج إلى الناس، لكنه لا يستغني عن الله؛ قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].
فالاستعانة بالله هي الأصل، والاستعانة بالخلق في حدود ما يقدرون عليه من الأسباب أمر آخر، والمؤمن لا يترك الأسباب بحجة التوكل، ولا يعتمد على الأسباب وينسى رب الأسباب.
وفي زمن يكثر فيه الحديث عن كن قويًا وحدك، لا تطلب المساعدة، لا تحتاج إلى أحد، يأتي الإسلام برؤية أكثر توازنًا؛ فهو لا يريد إنسانًا عاجزًا ينتظر الآخرين في كل شيء، ولا إنسانًا متكبرًا يرفض مساعدة الآخرين، وإنما يريد إنسانًا قويًّا بالله، آخذًا بالأسباب، متعاونًا مع الناس، نافعًا لهم، مستفيدًا من خبراتهم.
فالاستقلال الحقيقي ليس أن تقول: لا أحتاج إلى أحد؛ بل أن تقول: أستطيع أن أقوم بواجبي، وأعرف متى أطلب المساعدة، وأعرف ممن أطلبها، ولا أتعلق إلا بالله.
وهنا يتحول السؤال مِن: من عنزتي؟ إلى سؤال أعمق: لمَن أنا العَنَزَة؟ من هو الإنسان الذي يستند إليَّ عندما يتعب؟!
من الشاب الذي يحتاج إلى خبرتي؟ من الطالب الذي يحتاج إلى توجيهي؟ من الصديق الذي يحتاج إلى كلمة صادقة؟ من الأسرة التي تحتاج إلى دعمي؟
فالحياة ليست أن تبحث دائمًا عمن يسندك، وإنما أن تكون أنت أيضًا سندًا للآخرين، وقد قال النبي ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" أخرجه البخاري ومسلم.
وهذا المعنى عظيم في التربية؛ فالمعلم ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل قد يكون عَنَزَة فكرية لطالبه، والأب والأم ليسا مجرد مصدر للنفقة، بل سند نفسي وتربوي، والصديق الصالح سند إيماني، والعالم سند علمي، والمربي سند أخلاقي.
ولهذا فإن التربية الناجحة لا تصنع إنسانًا يحفظ المعلومات فقط، وإنما تصنع إنسانًا يعرف من يستعين به، وكيف يستفيد منه، وكيف يكون هو نفسه معينًا للآخرين.
إن العَنَزَة في معناها المادي شيء تحمله بيدك، أما في معناها الحضاري فهي ثقافة تعيش بها؛ ثقافة تقول:أنا لست وحدي؛ لي رب أستعين به، ولي عقل أتعلم به، ولي أهل أستند إليهم، ولي أصحاب أستشيرهم، ولي علماء أرجع إليهم، ولي خبراء أستفيد منهم، ولي مجتمع أخدمه، ولي مسؤولية أتحملها.
وفي المقابل، هناك أناس يحتاجون إليَّ؛ من ينتظر علمي، ونصحي، ودعمي، وخبرتي، وكلمتي، وهكذا تتحول الحياة من أنا ومصالحي إلى نحن ومسؤوليتنا المشتركة.
وكل إنسان له طريق؛ فيه صعود وهبوط، وتعب وراحة، ونجاح وفشل، وقوة وضعف. ولذلك لا يكفي أن تسأل: إلى أين أريد أن أصل؟ بل اسأل أيضًا: من سيعينني في الطريق؟ ومن سأعين أنا؟
وهذه ليست دعوة إلى الاتكالية، وإنما إلى الوعي بقيمة العلاقات والخبرات والمساندة. وحتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانت لهم أسباب ومعاونون، فقد دعا موسى عليه السلام ربه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 31].
تأمل التعبير القرآني: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾؛ أي قوِّ به ظهري، وهذه هي فلسفة العَنَزَة بأجمل صورها أن تجد من يشد ظهرك، وأن تكون أنت ممن يشد ظهور الآخرين.
فما عَنَزَتك في الحياة؟ ربما تكون في يد المسافر والصاعد إلى الجبل مجرد عصا، لكنها في معنى الحياة سؤال كبير: على ماذا تستند؟ ومن تستشير؟ ومن يعلمك؟ ومن يقويك؟ ومن يذكرك إذا نسيت؟ ومن يقف بجانبك إذا تعثرت؟ ثم يأتي السؤال الأكبر وأنت، لمن تكون عَنَزَة؟
إن الإنسان في مسيرة حياته يحتاج إلى ما يتوكأ عليه من الأسباب، لكنه لا ينبغي أن ينسى أن التوكل الحقيقي على الله، قد تكون عَنَزَتك كلمة صادقة، أو صديقًا صالحًا، أو معلمًا، أو أبًا، أو أمًا، أو شريكًا، أو مؤسسة، أو مجتمعًا، أو فكرة صحيحة غيَّرت مسار حياتك؛ لكن أعظم ما يستند إليه العبد هو ربه.
فإذا جمع الإنسان بين التوكل على الله، والأخذ بالأسباب، والاستعانة بأهل الخبرة، وبناء العلاقات الصالحة، والقيام بدوره في مساندة الآخرين، فقد فهم شيئًا من ثقافة العَنَزَة.
إنها ليست ثقافة الاتكاء على الآخرين، وإنما ثقافة الإسناد المتبادل؛ أن تعرف أنك لست وحدك، وأن تعرف أيضًا أن هناك من يحتاج إليك.
وهنا تصبح العصا التي كانت في يد موسى عليه السلام، والعَنَزَة التي عُرفت في هدي النبي ﷺ، أكثر من مجرد أدوات تاريخية؛ تصبحان مدخلًا للتفكير في واحدة من أعظم حقائق الحياة الإنسان يمشي بقدميه، لكنه لا يمضي في الحياة وحده، وكلما اتسعت مآربه، احتاج إلى أن تتسع دائرة معونته، فابحث عن عَنَزَتك، وكن عَنَزَةً لغيرك.
وبالسداد والتوفيق
د. يونس الزلاوي
- الكلمات الدلالية
- عصا موسى
- المسؤولية
- المساندة
- الدعم
- الوحدة
- السيرة النبوية
- قصص القرآن
- قصص الأنبياء
د. يونس محمد صالح الزلاوي