path

صورتك الذهنية بين الفعل وصناعة الأثر

article title

تُعد الصورة الذهنية أحد أهم العوامل المؤثرة في العلاقات بين الشعوب والثقافات، فهي التي تشكل الانطباعات الأولى، وتؤثر في القرارات والمواقف، بل وفي السياسات العامة أحيانًا، وقد تأثرت صورة المسلم في أوروبا خلال العقود الأخيرة بعوامل متعددة؛ منها العمليات الإرهابية التي ارتكبتها جماعات متطرفة باسم الإسلام، والتغطيات الإعلامية السلبية، وصعود التيارات الشعبوية، وضعف حضور النماذج الإسلامية الإيجابية في الفضاء العام.

لكن الصورة الذهنية ليست قدرًا ثابتًا، بل يمكن تغييرها من خلال العمل المتواصل، والمبادرات العملية، والحضور الإيجابي في المجتمع؛ فالمسلم في أوروبا ليس مجرد مقيم، بل هو مواطن أو شريك في بناء المجتمع، ومسؤول عن تقديم نموذج حضاري يعكس حقيقة الإسلام وقيمه.

والسؤال المطروح لماذا يجب علينا تحسين الصورة الذهنية؟

إن تحسين صورة المسلمين في أوروبا ليس هدفًا دعائيًا، بل ضرورة حضارية ودينية واجتماعية، لأنه يسهم في تعزيز التعايش والثقة المتبادلة بين المسلمين وغير المسلمين للحد من ظواهر الإسلاموفوبيا والكراهية والتمييز، ولحماية الأجيال المسلمة الجديدة من الشعور بالعزلة والانغلاق ولتمكين المسلمين من الإسهام بصورة أكبر في الحياة العامة ولتقديم الإسلام من خلال السلوك والأخلاق، لا من خلال الشعارات فقط.

وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] فالشهادة على الناس تكون بحسن الخلق، والعدل، والإحسان، والإنتاج، والإصلاح وكذلك للخروج من المسلم المنعزل إلى المسلم الشريك ، لم يعد من المقبول أن يعيش المسلم في أوروبا داخل دائرة مغلقة، لا يعرف جيرانه، ولا يشارك في قضايا مجتمعه، ولا يشعر بمسؤوليته تجاه البيئة أو المدرسة أو الحي الذي يعيش فيه.

إن المسلم مطالب بأن يكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع، يشارك في صناعة الخير، ويقدم الحلول، ويكون حاضرًا في كل ما ينفع الناس، مصداقًا لقول النبي ﷺ: "خير الناس أنفعهم للناس" أخرجه الطبراني في المعجم الوسيط. فكلما ازداد حضور المسلمين في ميادين العمل التطوعي، والتعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد، والثقافة، والرياضة، والفنون الهادفة، ازداد احترام المجتمع لهم، وتغيرت الصورة النمطية عنهم.

مبادرات عملية لتحسين الصورة الذهنية، إن تغيير الصورة الذهنية يحتاج إلى مشاريع عملية، منها:

أولًا: خدمة المجتمع:

تنظيم حملات لتنظيف الأحياء، وزراعة الأشجار، والتبرع بالدم، ودعم بنوك الطعام، ومساعدة كبار السن، وإغاثة المتضررين من الكوارث، دون تمييز ديني أو عرقي.

ثانيًا: الانفتاح على المجتمع:

تنظيم أيام مفتوحة في المساجد، واستقبال المدارس والجامعات، وإقامة معارض تعرف بالإسلام وحضارته، والإجابة عن الأسئلة بشفافية واحترام.

ثالثًا: صناعة القدوات:

تشجيع الشباب المسلم على التميز في الجامعات، والطب، والهندسة، والإعلام، والرياضة، وريادة الأعمال، لأن النجاح العملي من أقوى وسائل تصحيح الصورة.

رابعًا: الإعلام الإيجابي:

إنتاج محتوى احترافي بلغات أوروبا يعرض قصص النجاح، والأعمال التطوعية، وإسهامات المسلمين في خدمة المجتمع، بدل الاكتفاء بردود الأفعال عند الأزمات.

خامسًا: الحوار وبناء الجسور:

المشاركة في الحوارات الثقافية والدينية، والتعاون مع الكنائس والمؤسسات المدنية والجامعات والجمعيات الخيرية في المشاريع الإنسانية المشتركة.

سادسًا: التربية على المواطنة الإيجابية:

تعليم الأبناء أن الالتزام بالقانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام النظام، والصدق في العمل، والوفاء بالعقود، كلها قيم إسلامية قبل أن تكون واجبات مدنية.

سابعًا: التفاعل مع قضايا المجتمع:

المشاركة في المبادرات المتعلقة بالبيئة، والصحة، والتعليم، ومكافحة الفقر، ودعم الأسرة، وحماية الأطفال، لأن المسلم لا يعيش على هامش المجتمع، بل في قلبه.

مسؤولية المؤسسات الإسلامية تقع على عاتق المساجد والمراكز الإسلامية مسؤولية كبيرة في الانتقال من دورها التقليدي إلى دور مجتمعي أوسع؛ وذلك عبر إعداد قيادات مسلمة تفهم الثقافة الأوروبية وتستطيع مخاطبة المجتمع بلغته، وتدريب الشباب على العمل التطوعي وخدمة المجتمع، وبناء شراكات مع المؤسسات الرسمية والمدنية، تشجيع البحث العلمي والدراسات المتعلقة بالاندماج الإيجابي، وإنشاء وحدات متخصصة في العلاقات العامة والإعلام المجتمعي.

المسلم سفير لدينه؛ لأن الإنسان قد يقرأ مئات الكتب عن الإسلام، لكنه قد يغيِّر رأيه تمامًا عندما يتعامل مع مسلم صادق، وأمين، ومتقن لعمله، ومتواضع، ويحترم الآخرين ويخدم مجتمعه.. ولهذا فإنَّ كلَّ مسلم في أوروبا هو سفيرٌ لدينه؛ سواءٌ أدرك ذلك أم لم يُدركه.

فالكلمة الطيبة، والابتسامة، والوفاء بالمواعيد، واحترام القانون، والإحسان إلى الجار، وإتقان العمل، كلها رسائل دعوية صامتة قد تكون أبلغ أثرًا من كثير من الخطب والمحاضرات.

إن تحسين الصورة الذهنية للمسلمين في أوروبا ليس مسؤولية الحكومات ولا وسائل الإعلام وحدها، بل تبدأ من الفرد والأسرة والمسجد والمؤسسة، وهو مشروع طويل المدى يقوم على الأخلاق، والإنتاج، والخدمة العامة، والانفتاح، والشراكة مع المجتمع.

وحين يصبح المسلم عنصر إصلاح وتنمية، يُسهم في بناء الإنسان، ويحترم التنوع، ويشارك في معالجة مشكلات مجتمعه، فإن الصورة الذهنية ستتغير تلقائيًّا؛ لأن الناس يحكمون على الأديان من خلال أتباعها، وعلى المبادئ من خلال آثارها في الواقع.

إن المستقبل الذي نطمح إليه ليس أن يعيش المسلم في أوروبا باعتباره ضيفًا، بل أن يكون مواطنًا صالحًا، وشريكًا في النهضة، ورسولًا للقيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام؛ قيم الرحمة، والعدل، والإحسان، والعمل، والتعاون من أجل خير الإنسان أينما كان.

وبالسداد والتوفيق

د. يونس صالح

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

النهوض: من الأمان إلى الإيجابية والتأثير

feather الشيخ ياسين بن ثابت اليافعي

لماذا نهاجر؟ .. الغاية والكيفية

feather الشيخ الهادي بريك

اقرأ أيضا للإمام

article title

من سربرينيتسا إلى غزة .. عندما يتكرر المشهد ويختلف المكان

article title

قرآنُ الفجر وفجرُ القرآنية

article title

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

banner title

مقالات مرتبطة

الشيخ ياسين بن ثابت اليافعي

النهوض: من الأمان إلى الإيجابية والتأثير

الشيخ الهادي بريك

لماذا نهاجر؟ .. الغاية والكيفية

د. خالد حنفي

أثر المادية على العبادات .. وقصة إحرام الشباب