path

من سربرينيتسا إلى غزة .. عندما يتكرر المشهد ويختلف المكان

article title

عندما يتكرر المشهد ويختلف المكان

لم تكن سربرينيتسا مجرد مدينة صغيرة في شرق البوسنة، كما أن غزة ليست مجرد شريط ساحلي على البحر المتوسط في الجنوب الغربي لفلسطين الحبيب، كلاهما تحول في الذاكرة الإنسانية إلى اسمٍ يختصر الألم، وإلى شاهدٍ على قدرة الإنسان على صناعة المأساة عندما يجتمع الاستبداد مع الصمت الدولي في يوليو/تموز 1995 وقف العالم يشاهد سقوط سربرينيتسا، المدينة التي أعلنتها الأمم المتحدة منطقة آمنة، وبعد أيام قليلة امتلأت المقابر الجماعية بأكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى بوسني قُتلوا بعد فصلهم عن أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم واليوم..

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يقف العالم مرة أخرى أمام صور الدمار في غزة؛ أحياء كاملة أزيلت، آلاف القتلى والجرحى، ومستشفيات ومدارس ومراكز إيواء أصابها القصف، ومشاهد النزوح والجوع التي تتكرر يومًا بعد يوم، في ظل جدل قانوني وسياسي دولي واسع حول طبيعة الجرائم المرتكبة ومسؤوليات الأطراف المختلفة.

ولعل أكثر ما يربط بين المشهدين ليس الأرقام وحدها، وإنما الوجوه، في سربرينيتسا كانت الأمهات يبحثن عن أبنائهن في قوائم المفقودين، وفي غزة تبحث الأمهات تحت الأنقاض عن أطفالهن.

هناك كانت المقابر الجماعية تُكتشف بعد سنوات، وهنا تُفتح القبور كل يوم،هناك كان الناس يسيرون عبر الغابات هربًا من الموت، وهنا يسير الناس بين الركام باحثين عن مكان آمن لا يجدونه.

في سربرينيتسا انتهت حياة آلاف الرجال خلال أيام قليلة، وفي غزة تتوالى الخسائر البشرية على مدى شهور طويلة، بينما تستمر معاناة المدنيين تحت القصف والحصار والنزوح.

لكن المشهد لا يكتمل إلا إذا عدنا إلى ما كتبه عبد الرحمن الكواكبي قبل أكثر من قرن، في كتاب طبائع الاستبداد" كتب الكواكبي أن الاستبداد لا يقتل الإنسان فقط، بل يقتل العقل، ويُفسد الأخلاق، ويُميت الضمير، ويجعل الناس يألفون الظلم حتى يصبح أمرًا عاديًّا، ورأى أن أخطر ما يصنعه المستبد هو تحويل القوة إلى حق، والخوف إلى نظام للحكم".

وفي كتابه أم القرى لم يكن الكواكبي يكتب عن مدينة بعينها، وإنما كان يبحث عن مشروع نهضة يقوم على العدل والشورى وإصلاح الإنسان قبل إصلاح الدولة، وكان يؤمن بأن انهيار الأمم يبدأ عندما يفقد الإنسان كرامته، ويصبح عاجزًا عن قول كلمة الحق.

إن ما يجمع بين سربرينيتسا وغزة، من منظوره، ليس فقط مشاهد الدم، وإنما السؤال الكبير: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان مجرد رقم؟ ثمانية آلاف في سربرينيتسا، وعشرات الآلاف من الضحايا والمصابين والنازحين في غزة، ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية والقانونية، يبقى الألم الإنساني واحدًا؛ أم تبكي ابنها، وطفل يفقد أسرته، وعائلة تبحث عن مأوى، وإنسان ينتظر عدالة قد تتأخر طويلًا.

لقد أثبت التاريخ أن الجرائم الكبرى لا تبدأ بإطلاق النار، بل تبدأ حين يُبرَّر الظلم، ويُعتاد الصمت، ويصبح الضحية خبرًا عابرًا، ولهذا تبدو كلمات الكواكبي -على الرغم من مرور أكثر من مئة عام- وكأنها كُتبت لعصرنا: «إن الاستبداد لا يعيش بقوة السلاح وحدها، وإنما يعيش أيضًا حين يتراجع الضمير، ويصمت القادرون، ويعتاد الناس رؤية المأساة دون أن تتحول إلى فعلٍ يوقفها».

تبقى سربرينيتسا جرحًا مفتوحًا في ذاكرة أوروبا، وتبقى غزة جرحًا مفتوحًا في ضمير العالم، وبين الجرحين تمتد رسالة واحدة أن كرامة الإنسان يجب أن تبقى فوق السياسة، وأن العدالة المتأخرة لا تعيد الحياة لمن رحلوا، لكنها قد تمنع تكرار المأساة في مكان آخر.

بالسداد والتوفيق.

د.يونس الزلاوي

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

قرآنُ الفجر وفجرُ القرآنية

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

قرآنُ الفجر وفجرُ القرآنية

article title

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

article title

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

banner title

مقالات مرتبطة

د. يونس محمد صالح الزلاوي

قرآنُ الفجر وفجرُ القرآنية

د. يونس محمد صالح الزلاوي

المناشط الصيفية ودورها في الرعاية التربوية

د. يونس محمد صالح الزلاوي

رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق