path

قوارب النجاة .. عاشوراء طوفان الماضي وطوفان الحاضر

article title

الحياة في حقيقتها رحلة بحرية طويلة، تتلاطم فيها أمواج الفتن، وتتعاقب فيها رياح الابتلاءات، ولا ينجو الإنسان فيها بقوة الجسد وحدها، ولا بكثرة المال وحده، وإنما بما يحمله من قوارب نجاة تحفظ عليه دينه ونفسه ومجتمعه ومستقبله، ومن أعظم قصص النجاة في القرآن الكريم قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون، فهي ليست مجرد قصة تاريخية عن صراع بين حق وباطل، وإنما هي فلسفة إلهية في كيفية النجاة عندما يشتد الطغيان، وتغلق الأبواب، ويصبح البحر أمام الإنسان والعدو خلفه، قال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)} [الشعراء: 63-66]. فكان عاشوراء ذكرى نجاة، ودرسًا خالدًا بأن الله يفتح أبواب النجاة حين يظن الناس أن كل الطرق قد أغلقت.

عاشوراء تحمل معنى عميقًا في الوعي الإسلامي؛ فهي تُذكِّر المؤمن بأن النجاة ليست دائمًا في امتلاك القوة الظاهرة؛ فقد كان موسى عليه السلام وقومه قلة مستضعفة، وكان فرعون يملك الجند والسلطة والمال، لكن ميزان السماء مختلف قد يملك الإنسان القوة ولا يملك الحق، وقد يملك الحق ولا يملك القوة، ولكن من كان مع الله فإن له طريقًا للنجاة، قال تعالى:﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3)﴾ [الطلاق: 2-3].

شبَّه النبيُّ ﷺ المجتمع الإنساني بسفينة واحدة فقال: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا" [رواه البخاري] هذا الحديث يرسم فلسفة عظيمة: الإنسان لا يعيش منفردًا، بل هو راكب في سفينة واحدة مع الآخرين، وأي خلل يصيب جانبًا من المجتمع قد يصل أثره إلى الجميع، ولهذا يحتاج الإنسان إلى قوارب نجاة متعددة.

أولًا: القارب الديني:

أعظم قارب هو قارب الإيمان؛ لأن الإنسان مهما امتلك من وسائل الدنيا يبقى ضعيفًا أمام أحداث لا يملك التحكم فيها، كان موسى عليه السلام لا يملك أمام البحر إلا اليقين، فقال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فجاء الرد: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

فالقارب الديني يقوم على: التوحيد، والصلاة، والدعاء، والصبر، والتوكل. وهذا ما رأيناه ولمسناه من الطوفان الحاضر؛ فعلى الرغم من الأمواج المتلاطمة عليهم من كل مكان، فإنَّهم كانوا وما زالوا متمسكين بحبل الإيمان وتوحيد الرحمن، والصلاة على أنقاض كل القوارب المتحطمة، وعلى الصبر، والدعاء والتوكل، ولا شك بأن النجاة سوف تأتِ بإذن الله تعالى قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45].

ثانيًا: القارب النفسي:

عصرنا مليء بالأزمات النفسية الخوف، القلق، فقدان المعنى، ضغط الحياة، لكن القرآن يبني إنسانًا قادرًا على مواجهة العواصف، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] فالنجاة النفسية ليست في الهروب من الواقع، بل في امتلاك قلب ثابت وسط اضطراب الواقع، ومن أعظم ما يربي النفس الرضا، الأمل، حسن الظن بالله، الصبر عند البلاء، قال النبي ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" [رواه مسلم] عندما ظهر على السطح بين بعص العناصر في الطوفان الماضي قال نبي الله موسى عليه السلام لهم: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [الشعراء].

هذه الكلمات والمعاني الني تخرج منها تنبت الثبات في وجه الحرب النفسية التي يخوضها العدو في استعراض قوته وجبروته، أمام فئة قليلة من أهل الحق ولهذا تأتي هذه الآيات لتقول: لا للهزيمة النفسية وأزماتها؛ وإنما نثبت على قارب النجاة حتى ننجو جميعًا، وما أجمل تطبيقات طوفاننا الحاضر الذي تعلق بهذا القارب وأصبح يغرس الثقة والثبات في نفوس، أهله وأصحابه ومؤيديه ومناصريه بكل قوة لله دركم فقد علمتمونا كيف نقلب المجن على كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.

ثالثًا: القارب الاجتماعي النجاة بالتعاون:

سفينة المجتمع لا تنجو إذا فكر كل فرد في نفسه فقط، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2] طوفان الماضي يعزز لنا قوة التماسك الاجتماعي، وتعاونه في النجاة، فتداول هذه المجاديف القوية في تعزيز روح التعاون، والعمل الجماعي يقود الأمة إلى الانتصار دون شك، وسبحان الله كيف ظهرت هذه المجاديف قوية في طوفان الحاضر، الذي تماسك من الداخل وتعاون من الخارج ومازالت قوارب النجاة تظهر من الداخل وتأتي إليها من الخارج عبر سفن الحرية، وغيرها من الإعانات برًّا وبحرًا، وهذا يُنمي عن تماسك؛ فالأسرة، والجيران، والمؤسسات، والعلاقات الإنسانيَّة كلها قوارب حماية، والحديث عن السفينة يُعلِّمنا أنَّ ترك الخطأ الصغير قد يؤدِّي إلى غرق الجميع.

رابعًا: القارب السياسي النجاة بالعدل ومنع الطغيان:

قصة موسى وفرعون نموذج سياسي عظيم؛ ففرعون لم يسقط بسبب ضعف قوته، بل بسبب الظلم والاستبداد، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: 4]. فالسياسة في الرؤية الإسلاميَّة ليست مجرَّد صراع على السلطة، وإنما مسؤوليَّة لتحقيق العدل، وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» [رواه البخاري ومسلم]. فالقارب السياسي الناجي هو: العدل، الشورى، حفظ الحقوق، مقاومة الظلم.

خامسًا: القارب الاقتصادي النجاة ببناء القوة والاستقلال:

لم يهمل الإسلام جانب الاقتصاد، فالضعف الاقتصادي قد يجعل الإنسان والمجتمع عرضة للاستغلال، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]. وقال النبي ﷺ: "اليد العليا خير من اليد السفلى" [رواه البخاري ومسلم]؛ فالقارب الاقتصادي يقوم على: العمل، والإنتاج، والأمانة، وحسن إدارة المال، والتكافل.

في عالم اليوم، يعيش الإنسان بين أمواج كثيرة:

التكنولوجيا التي تغيّر نمط الحياة، الأزمات الاقتصادية، الصراعات السياسية، التحولات الاجتماعية، الأسئلة الفكرية، ولذلك لا يكفي أن يملك الإنسان قاربًا واحدًا؛ فالإيمان يعطي المعنى، والعلم يعطي القدرة، والمجتمع يعطي الحماية، والاقتصاد يعطي الاستقلال، والإنسان الناجح هو من يبني سفينته قبل هبوب العاصفة، قال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71].

قصص القرآن والسنة ليست أخبارًا مضت، بل خرائط نجاة للحاضر؛ فموسى عليه السلام يُعلِّمنا أنَّ البحر قد ينفتح لمن وثق بالله، وحديث السفينة يُعلِّمنا أنَّ سلامة الفرد مرتبطة بسلامة المجتمع، والدرس الأكبر أنَّ الإنسان في هذه الحياة لا يبحث فقط عن الوصول، بل يبحث عن القارب الذي يحمله عندما ترتفع الأمواج؛ فالنجاة ليست صدفة، وإنَّما هي بناء قارب إيمان، وقارب نفس مطمئنة، وقارب مجتمع متعاون، وقارب عدل وسياسة رشيدة، وقارب اقتصاد قوي، ومن جمع هذه القوارب كان أقرب إلى النجاة في بحر الحياة.

بالسداد والتوفيق

د. يونس محمد صالح

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

الواقعية ليست مبررًا للوقوع!

feather د. ونيس المبروك

مهاجر أم قيس الأوروبي

feather د. يونس محمد صالح الزلاوي

اقرأ أيضا للإمام

article title

مهاجر أم قيس الأوروبي

article title

لأن أهاجر في جلباب أبي

article title

نقطة نظام بين الهجرة والهجر من صناعة المكان إلى صناعة الإنسان

banner title

مقالات مرتبطة

د. ونيس المبروك

الواقعية ليست مبررًا للوقوع!

د. يونس محمد صالح الزلاوي

مهاجر أم قيس الأوروبي

د. يونس محمد صالح الزلاوي

لأن أهاجر في جلباب أبي