أنا رمضان.. فمن أنت؟

أنا رمضان، فمن أنت؟
في مساءٍ تتعانق فيه الأنفاس مع هلالٍ رقيق، سمعتُ صوتًا ليس كالأصوات صوتًا لا يُرى، لكنه يُشعِر، لا يُلمس، لكنَّه يُغيِّر، قال: أنا ضيفك الذي يتكرر ولا يتكرر، أنا زمنٌ يمشي، لكنه ليس كسائر الأزمنة.
قلتُ: ومن أنت؟ قال: أنا رمضان بن الصيام بن التقوى.
أنا رمضان شهادة السماء للأرض أنا الذي قال الله فيَّ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيــْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، أنا الذي اختارني الله وعاءً لكتابه: ﴿ شَهْرُ رَمَضَـانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: 185]، أنا ليلةٌ مخــبوءة في لياليَّ، قال فيها رب العزة: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ سورة القدر، إذا جئتُ فُتحت أبواب السماء، وأُغلقت أبواب الجحيم، وصُفِّدت الشياطين، كما قال الحبيب ﷺ.
أنا دورة مكثفة في إعادة تشكيل الإنسان، إعادة هندســـة الروح، إعادة تعريف العلاقة بينك وبين نفســـك، وبينك وبين ربك، وبينك وبين الناس.
مهنتي صناعة التقوى لستُ شهر امتناعٍ عن الطعام، بل شهر امتلاءٍ بالمعنى، أجعل الجوع معبرًا إلى الشبع الأبدي، والعطش طريقًا إلى الريّ السرمدي. أدربك على الصبر حتى تنال وعد الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] أعلمك كظم الغيظ حتى تصبح سيد نفسك: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أفتح لك باب الإنفاق حتى تتحرر من عبودية المال: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92] وأهمس في أذنك كل ليلة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] أنا مدرسةٌ بلا جدران، جامعةٌ بلا رسوم، أكاديميةٌ لا تمنح شهادتها إلَّا لمن غيَّر نفسه.
تخصصاتي المتعددة في الروح أقربك من الله حتى تسمع قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ في النفس أعلمك أن السلام ليس في الامتلاك، بل في الذكر.في المجتمع أجعل الفقير أخًا لا رقمًا، حين تفطره فينال أجرك. في الاقتصاد أقلب معادلة الأخذ إلى العطاء، وأقنعك أن ما عند الله أبقى.
في السياسة والقيم أذكرك أنك من أمةٍ قيل لها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110] أنا مشروع إصلاح فردي يبدأ من معدتك، لكنه لا ينتهي عند حدود جسدك.
قد تتساءل: كيف أقدِّم كلَّ هذه الخدمات؟ أجيبك: عبر كتابٍ واحد. ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9] هو دليل الاستخدام، هو خارطة الطريق، هو العقد الذي بيني وبينك. إن قرأته كنتَ من أهله، وإن صاحبته كان لك شفيعًا يوم القيامة. هذا أنا.
فمن أنت أيها الصائم؟ تقدمتُ بخطواتٍ خجلى وقلت: أنا عبدٌ أرهقته التفاصيل، وأتعبته الشهوات، وتفرّق قلبه بين ألف رغبة، أريد أن أعود واحدًا بعد أن مزقتني الكثرة.
أبحث عن شهادة تقوى، عن ختم مغفرة، عن وسام عتق من النار. أريد تدريبًا على الإخلاص، دورةً في الصبر، ورشةً في ضبط اللسان، برنامجًا لإعادة ترتيب أولوياتي. أريد أن أخرج منك إنسانًا آخر.
قال رمضان: العقد بسيط… ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، صمْ بوعي، قمْ بحضــور، اقرأ بتدبر، أنفق بإخلاص، اعفُ بصدق.
ولا تكن ممن قال فيهم النبي ﷺ:(رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) (رواه مسلم والترمذي)..
قال نعم: الشهادات التي أمنحها كثيرة؛ شهادة التقوى، شهادة المغفرة، شهادة القرب، شهادة العتق، شهادة الفوز، ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].
إنَّ رمضان ليس شهرًا في التقويم، بل موقفًا في العمر، ليس عدد أيامٍ، بل عدد تحولات، ليس موسم عبادةٍ عابر، بل فرصة إعادة ميلاد، هو امتحانٌ في الإرادة، واختبارٌ في الصدق، وتجربةٌ فلسفية عميقة تقول لك: أنت لست جسدًا يأكل، بل روحًا تسمو. لست عبد شهوة، بل عبد رب، فيا من أدركت رمضان، هل ستدعه يمضي كما مضت الأعوام؟ أم ستوقع معه عقد التغيير؟ ثلاثون يومًا قد تكون الفارق بين اسمٍ في السجلات، واسمٍ في سجل الفائزين. أنا رمضان فمن أنت؟
اللهم تقبَّل منا الصيام والقيام، وبالسداد والتوفيق.
د. يونس محمد صالح
- الكلمات الدلالية
د. يونس محمد صالح الزلاوي