path

حين يُهدَّد السِّلم العالمي.. نداء القيم في زمن استعلاء القوة

article title

حين يُهدَّد السِّلم العالمي

نداء القيم في زمن استعلاء القوة

يشهد العالم اليوم انزلاقًا خطيرًا نحو تصعيد متسارع في الحروب والصراعات، بما يهدد السِّلم والأمن الأوروبي والعالمي، ويقوِّض منظومة القانون الدولي التي وُضعت أصلًا لحماية الإنسان من تغوُّل القوة، ولمنع تكرار المآسي الجماعية. وقد تجلَّى هذا الانفلات الأخلاقي والقانوني بوضوح في أكثر من ساحة، وكان ما جرى على أرض غزة على مدى عامين كاملين نموذجًا صارخًا لاستهانةٍ غير مسبوقة بالأرواح والمقدَّرات، وسط صمت دولي مريب، أو تبرير فجَّ للعدوان، وازدواجيَّة فاضحة في تطبيق مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

وأمام هذا الاستعلاء والكبر، ومحاولات فرض قانون الغاب بدلًا من القانون الدولي، تتعاظم المسؤولية الأخلاقية والتاريخية على المسلمين في الغرب، وعلى عقلاء العالم جميعًا، لإعادة الاعتبار للقيم الجامعة، والوقوف بوضوح في صف العدالة والكرامة الإنسانية، بعيدًا عن منطق الهيمنة وموازين القوة المتقلبة.

وينطلق هذا الموقف من جملة مرتكزات شرعية وأخلاقية واضحة:

أولًا: الرسالة الأخلاقية والقيمية: فالإسلام -في جوهره- رسالة عالمية تؤكِّد كرامة الإنسان وحقِّه في الحرية والعدل، دون تمييز أو استثناء. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [ الإسراء: 70]، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [ النحل: 90]، وقد لخَّص النبي ﷺ هذه الرسالة بقوله: (إنَّما ‌بُعثتُ ‌لأتمِّمَ ‌مَكارمَ الأخلاقِ) والبيهقي في السنن الكبرى وصححه الشيخ الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (45)، ومن هنا، فإن الدفاع عن القيم الأخلاقية ليس موقفًا سياسيًا ظرفيًا، بل هو التزام ديني وإنساني أصيل، لأن سقوط الأخلاق إيذان بسقوط الأمم، كما قال شوقي:

                          وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ        فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا.

ثانيًا: رفض الكراهية والظلم والعدوان: إن من أخطر ما يهدد السلم العالمي اليوم هو تطبيع الظلم، وتبرير العدوان، وإذكاء الكراهية باسم الأمن أو المصالح الاستراتيجية. وقد جاء الموقف القرآني حاسمًا في هذا الباب، إذ يقول تعالى: ﴿ ... وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[ سورة البقرة: 190]ويقول: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ [ غافر: 31] وحذّر النبي ﷺ من عاقبة الظلم بقوله: (اتقوا الظّلم، فإنَّ الظّلم ظُلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كان قبلكم، حَمَلَهم على أنْ سَفكوا دِماءهم، واسْتحَلُّوا مَحارِمهم). رواه مسلم، برقم: (2578).

فالسكوت عن الظلم مشاركة فيه، والانتقائية في إدانته تقويض لأسس العدالة نفسها، إذ لا تستقيم عدالة تُجزّأ ولا قانونية تُنتقى وفق الهوى.

ثالثًا: واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو واجب حضاري شرّف الله به هذه الأمة، وربط به خيريتها بين الأمم، فقال جل شأنه: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [ آل عمران: 110].

وهذا الواجب لا يقتصر على المجال الفردي، بل يشمل المواقف العامة، والكلمة الصادقة، والضغط السلمي المشروع، دفاعًا عن الحق، ورفضًا للباطل. وعن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول:( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٤٩)

فغياب الصوت الأخلاقي الواعي يفضي إلى موت الضمير الجمعي، كما عبّر حافظ إبراهيم:

وما الأممُ إلا حيثُ يُبعثُ وعيُها            فإن نامَ وعيُ القومِ ماتَ ضميرُها.

رابعًا: الوقوف في وجه الفساد والتلاعب بمصائر الأمم: إن التلاعب بمصائر الشعوب، وشرعنة الحروب، وتفريغ القوانين من مضمونها الأخلاقي، هو لون من ألوان الفساد في الأرض، حذّر الله منه أشد التحذير، فقال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة الأعراف: 56]، وقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116]. ومن أسمى صور هذا الموقف ما عبّر عنه النبي ﷺ بقوله: (أفضل الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر) رواه أحمد والنسائي في السنن، لِمَا للكلمة الصادقة من أثر في كبح الطغيان وصيانة السلم.

خامسًا: اليقين بزوال الظلم وغلبة الحق: رغم قتامة المشهد، فإن الإيمان بسُنن التاريخ وعدالة السماء يمنح الأمل والثبات. فالظلم لا يدوم، والقوة لا تبقى أبد الدهر، والحق وإن تأخر نصره لا يُهزم. يقول الله تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21] ويقول: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾[ الإسراء: 81] وقال النبي ﷺ: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب)أخرجه الترمذي.

وقد لخَّص عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الحقيقة بقوله:

تنامُ عيناكَ والمظلومُ منتبهٌ              يدعو عليكَ وعينُ اللهِ لم تنمِ.

إنها دعوة صريحة لاستعادة البوصلة الأخلاقية، وتجديد الالتزام بالقانون الدولي العادل، والاصطفاف مع الإنسان بوصفه إنسانًا، لا بوصفه ورقة في صراع المصالح. فبدون هذا الوعي، لن يكون العالم أكثر أمنًا، بل أكثر فوضى، وأشد قسوة على الجميع، والعاقبة للمتقين.

وبالله التوفيق والسداد.

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

معيار لا يخطئ أبدًا.. الاهتمام بما اهتم به القرآن

feather إدارة الإعلام

من فقهنا السياسي

feather د. ونيس المبروك

اقرأ أيضا للإمام

article title

حين تغرق القيم في بحر قوم لوط

article title

التنمّر الدولي | حين تتحوّل الدول إلى متنمّرين!

article title

تراجيديا العقل في زمن الفوضى والتشابه

banner title

مقالات مرتبطة

إدارة الإعلام

معيار لا يخطئ أبدًا.. الاهتمام بما اهتم به القرآن

د. ونيس المبروك

من فقهنا السياسي

د. يونس محمد صالح الزلاوي

حين تغرق القيم في بحر قوم لوط