حين تغرق القيم في بحر قوم لوط

لم تكن جزيرة إبستين مجرَّد بقعة جغرافيَّة معزولة في الكاريبي؛ بل كانت -في معناها الرمزي العميق- جزيرة مكثَّفة للعالم، وعيِّنة مصغَّرة عن طبيعة النخبة التي تمسك بخيوط السياسة والاقتصاد والإعلام، وتدَّعي قيادة البشريَّة أخلاقيًّا وقيميًّا.. لقد مثَّلت تلك الجزيرة بحرًا لُجِّيًّا من الانحراف، لم يسقط فيه الأفراد صدفةً؛ بل سبحوا فيه بوعي، وتواطؤ، وحصانة.
أوَّلًا: السقوط الفلسفي – من الإنسان القيَمي إلى الإنسان النَّفعي: من الناحية الفلسفيَّة، تكشف فضيحة إبستين عن انتصار الفلسفة النفعيَّة المنفلتة على أيِّ تصوُّرٍ أخلاقيٍّ للإنسان؛ فالإنسان هنا لم يعد غايةً في ذاته، بل أصبح وسيلةً للمتعة، أو للابتزاز، أو لتبادل النفوذ.
الأجساد –وخصوصًا أجساد الضعفاء– تحوَّلت إلى عملة، والطفولة إلى سلعة، والكرامة إلى تفصيلٍ ثانويٍّ في حسابات القوَّة.
إنَّها لحظة انهيارٍ لِمَا تبقَّى من وهم الإنسان المتحضِّر، إذ تبيَّن أنَّ الحداثة التي بشَّرت بالتحرُّر والعقلانيَّة، قد أنجبت وحشًا أنيقًا: يتحدَّث عن حقوق الإنسان نهارًا، ويُمارس أقصى أشكال العبوديَّة ليلًا.
ثانيًا: السقوط السياسي – السلطة بلا مساءلة: سياسيًّا، لم تكن الجزيرة ممكنة الوجود لولا تحالف السُّلطة مع الصَّمت. رؤساء دول، أمراء، وزراء، شخصيات أمنية، جميعهم مرُّوا أو كانوا على تماسٍّ، ومع ذلك لم يسقط النظام، بل سقط إبستين وحده.
وهنا يتجلَّى جوهر السياسة المعاصرة: القانون يُطبَّق على الضعفاء فقط، أمَّا الأقوياء فيسبحون فوقه.
لقد كشفت إبستين أنَّ الديمقراطيَّة الغربيَّة –في لحظتها العميقة– ليست حُكْم الشعب؛ بل إدارة الفضيحة، والتحكُّم في التسريبات، وشراء الصمت الإعلامي، ودفن الملفَّات في أرشيف الأمن القومي.
ثالثًا: السقوط الاجتماعي – تطبيع الرذيلة بوصفها حرِّيَّة: اجتماعيًّا، تفضح القضيَّة كيف أُعيد تعريف الرَّذيلة لتُصبح حرِّيَّةً شخصيَّة، وكيف جرى تفكيك الأسرة، وتجريد الطفولة من قداستها، تحت شعارات التنوير والانفتاح.
إنَّ المجتمع الذي يُبرِّر كلَّ شيءٍ باسم الرَّغبة، لا يملك أدواتٍ أخلاقيَّةً لإدانة شيء.
لقد تحوَّلت القيم من ضوابط عليا إلى آراء نسبيَّة، ومن ثوابت إنسانيَّة إلى “سرديَّات”، ومن أخلاقٍ إلى اختيارات نمط حياة. وفي هذا الفراغ، ازدهرت جزيرة إبستين؛ لا كاستثناء، بل كنتيجةٍ منطقيَّة.
رابعًا: السُّقوط الأخلاقيُّ – حين تفقد النخبة حقَّ الوعظ: أخلاقيًّا، ما بعد إبستين ليس كما قبله. لم تعد النخبة مؤهَّلةً أخلاقيًّا لإعطاء الدروس للعالم. كيف يتحدَّثون عن حقوق المرأة، وهم يُتاجرون بها؟ كيف يُندِّدون بالإتجار بالبشر، وهم جزءٌ من شبكاته؟ كيف يدينون “الاستبداد”، وهم يُمارسون استبداد الشهوة والنفوذ؟ لقد سقط الخطاب الأخلاقيُّ العالميُّ في اختبارٍ واحد، وبات واضحًا أنَّ كثيرًا منه لم يكن إلَّا قناعًا سياسيًّا.
خامسًا: السقوط الاقتصادي – رأس المال حين يتحالف مع الجريمة: اقتصاديًّا، لم يكن إبستين منعزلًا عن عالم المال؛ فالبنوك، والصناديق، والشركات العابرة للقارَّات، جميعها استفادت من شبكات النفوذ، وغضَّت الطرف عن مصادر الثروة.. هنا نرى بوضوح أنَّ الرأسماليَّة المتوحِّشة لا تسأل: كيف ربحت؟ بل فقط: كم ربحت؟
وحين ينفصل الاقتصاد عن الأخلاق، يُصبح كلُّ شيءٍ ممكنًا: غسل الأموال، وغسل الجرائم، وغسل الضمائر.
البحر المتلاطم… والإنسان المفقود: إنَّ بحر إبستين ليس جزيرة، بل منظومة. منظومةٌ سبحت فيها النُّخَب العالميَّة حتى فقدت القدرة على التمييز بين السُّلطة والوحشيَّة، وبين الحرِّيَّة والانحلال، وبين الإنسان والشيء.
والسؤال الفلسفي الأكبر ليس: من زار الجزيرة؟ بل: أيُّ عَالَمٍ يسمح بوجودها؟
وأيُّ منظومة قيمٍ تُنتج هذا الكمَّ من السَّاسة ورجال الأعمال الذين يسبحون في بحر اللوطيَّة، ثم يخرجون منه ليقودوا البشريَّة؟!
إنَّها شهادةٌ على أنَّ العالم المعاصر لا يُعاني من نقصٍ في القوانين، بل من فقدان المعنى،
ولا من غياب الخطاب، بل من موت الضمير.
ما ينفذ على أهلنا في غزة الحبيبة، يؤكِّد قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [ النمل: 56]. فهل سنفهم القصَّة أم لا؟! هنا مربط الفرس..
- الكلمات الدلالية
د. يونس محمد صالح الزلاوي