وقع ما كنا نخشاه في أوروبا.. فكيف نتعامل معه؟!

وقع ما كنا نخشاه في أوروبا.. فكيف نتعامل معه؟!
قال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 92).. وقال جلَّ ذكره: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون: 52)
مع إعلان السعودية وغيرها بالأمس عن رؤية هلال شهر رمضان - على الرغم من استحالة رؤيته فلكيًّا فضلًا عن الرؤية البصرية - احتدم النقاش والخلاف بين مسلمي أوروبا، وأصاب كثير من المسلمين الارتباك الشديد، والسؤال المتكرر عبر الاتصالات: مع من نصوم ونفطر؟ وأي دولة نختار وقد اختلفت الدول العربية والإسلامية فيما بينها؟
وعلى أي معيار نسير ونتبع؟
وكان جوابنا: أننا أعلنا الخميس 19 فبراير أول شهر رمضان وفقا للمجلس الأوروبي للإفتاء الذي يعتمد منهجية فقهية وفلكية دقيقة، أما الفقهية فالقول بوحدة المطالع وهو رأى جمهور الفقهاء لقوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته..." رواه مسلم.
والمنهجية الأخرى وهي الأخذ بالحسابات الفلكية وهي الأدق علميا وقد نادى بها عدد من الفقهاء القدامى والمجامع الفقهية المعاصرة.
ومن المعيب حقا أن يُرجح أحد الرؤية البصرية على الحسابات الفلكية القطعية في عصر العلم والمعرفة، ومن فعل فقد تجاوز الفقه والعلم معًا.
- مسلمو أوروبا والمرجعية المنشودة
يعيش مسلمو أوروبا كأقلية دينية لها خصوصيتها الدينية والثقافية، ولا شك أننا بحاجة إلى فقه يراعي تغير الزمان والمكان والظروف والأحوال كما نص على ذلك العلماء.
وذلك الفقه ليس مبتوت الصلة بالفقه الموروث أو مستقلا عن مصادر الشريعة المُجمع عليها، أو يتجاهل الأدلة المختلف فيها.
لذلك تأسس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث منذ ثلاثين عاما وتأسست لجان الفتوى وهناك مؤسسات أخرى دعوية لترشيد الخطاب الديني بما يراعي ظروف الواقع وتحدياته وحاجات المسلمين.
وعمل المجلس يقوم على ترشيد الحضور الإسلامي وتعزيزه، ويقوم على الاجتهاد الانتقائي الترجيحي في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية والمصالح المرعية. والاجتهاد الإنشائي لمواجهة نوازل العصر ومستجدات الواقع.
لذلك وجب على المسلمين الالتفاف حول المرجعيات الأوروبية الوازنة، ولن يحزن علماء الشرق أبدًا باستقلال المجالس الفقهية في أوروبا بالنظر في ظروف المسلمين الخاصة وما يحقق وحدتهم ويحفظ عليهم دينهم.
وحدة مسلمي أوروبا فريضة شرعية وضرورة واقعية ومصلحة للحاضر والمستقبل.
أيهما يحقق الوحدة: أن نصوم مع السعودية أم مصر أم المغرب أم أي دولة أخرى خارج أوروبا؟
ما الذي يجعل لدولة حجية عن غيرها؟
لم يقم دليل من الكتاب والسنة على أن نصوم مع مكة المكرمة؟
لن يوحدنا إلا مرجعية شرعية محلية أوروبية.
ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم:
" الصومُ يومَ تصومون، والفطرُ يومَ تفطرون، والأضحى يومُ تُضَحُّونَ " رواه الترمذي
من هم الناس؟
أي يجب أن نلتفت إلى وحدة الجماعة في البلد الواحد.
لا حرج أن تختلف البلدان العربية أو الإسلامية لأن لها حاكم واحد يرفع الخلاف ويلزم الناس، أما أوروبا فلن يصلحنا رؤية بلد خارجها.
قال لي أحد من دافعوا عن اعتماد رؤية السعودية الخطأ: الخلاف موجود وواقع فليسعنا الخلاف!
قلت: هناك خلاف فقهي معتبر، لك أن تجهر بالبسملة أو لا، لك تقنت في صلاة الفجر أولا، لك أن تمسح رأسك كاملة في الوضوء أو بعضها، فهذا كله خلاف فرعي سمح.
أما الخلاف الذي يشق الصفوف ويفرق الكلمة ويشوه صورة المسلمين، فهذا هو شر كله.
حين يكون مصدر الخلاف الهوى والمصالح الضيقة والتعصب المقيت والعصبية القومية والجهل الفادح فهذا هو الداء الذي يودي بنا إلى الوهن والفشل.
بالله عليكم.... حين يجزم الحساب الفلكي باستحالة الرؤية ثم نقول: لقد رأينا الهلال!
ألا نجعل من أنفسنا أضحوكة أمام العالم والأجيال الجديدة من أولادنا؟ كيف تحكمون؟!
ربما رآه حالم أو تخيله في يقظته فهل نقضي بالوهم والخيال؟
لقد خطونا طريقًا طويلًا لتوحيد المسلمين وبدت ثماره بفضل الله، ونعلم أن الطريق لا زال شاقا، وعلى الدعاة والمسؤولين عن المساجد والمؤسسات الإسلامية في أوروبا والغرب عامة أن يتقوا الله في وحدة المسلمين.
وأن يواصلوا الجهود الجادة لتوحيد المسلمين ونبذ كافة أشكال الفرقة.
بالعلم والتوعية والصبر والأخوة الصادقة والتجرد لله تعالى سنصل بحول الله لوحدتنا المنشودة رغم التحديات والعقبات، ثم نفرُغ إلى قضايا أخرى كثيرة تحتم علينا الاجتماع عليها.
طه سليمان عامر
- الكلمات الدلالية
الشيخ طه عامر