path

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَ

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

عند الوصول إلى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تبلغ السورة حبكتها بأعظم إعلان ينتظره الإنسان، وذلك حين يقول الله تعالى: (هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)، لحظة إعلان اصطفاء الإنسان ليكون المستخلَف في المشروع، وكأنها لحظة توقيع عقد العبودية بين السيد وعبده، والمخدوم مع خادمه، حينها يبلغُ الخطابُ في الفاتحة نقطةَ التحوُّل من تأسيس الوعي إلى مباشرة الفعل.

فبعد أن رسَّخت الآياتُ الأولى معالمَ المرجعيَّة العليا عبر الربوبيَّةً الرحيمةً والملكيَّةً المُحاسِبة يتقدَّم ضميرُ الجماعة لأول مرة، لا بوصفه فذلكة لغوية، بل بوصفه النتيجة الطبيعية لمسارٍ من التهيئة المقصودة التي صاغت البناء القيمي والمعياري والعملي للإنسان المستخلف، فقد امتلأت بنيةُ الوعي بإدراك مركزية الله في الوجود، وبتمثّل الرحمة بوصفها نمط الحكم، وباستحضار يوم الدين باعتباره أفقَ المساءلة الذي تُقاس إليه قيمةُ الأفعال؛ وعند هذا الاكتمال يصبح حضور (نحن) ضرورةً لا ترفًا، لأنه يعلن ولادة الجماعة الفاعلة التي باتت قادرةً على الدخول في العقد التنفيذي للاستخلاف.

يبدأ هذا الحضور بتقديمٍ دقيقٍ للغايات على الوسائل: *{إيَّاك نعبد} قبل {إيَّاك نستعين}، وهذا الترتيب ليس محض أدب تعبُّدي، بل هو بيان لطريقة عمل الإنسان من داخله؛ إذ يجعل العبادةَ الأصل الذي تُشتقّ منه المشروعية، ويجعل الاستعانةَ الأداة التي تتقوَّم بها القدرة على التنفيذ؛ فالإنسان لا يدخل التاريخ من باب الحاجة، بل من باب الالتزام.. ولا يبدأ الفعل من افتقارٍ مجرَّد، بل من توحيدٍ واعٍ يحدّد غايته قبل أن يطلب وسائلها، بهذا المعنى، تُصبح الآية تأسيسًا للأساس النظري للعمل في القرآن: فلا كفاءة بلا عبودية، ولا عبودية بلا فعل، ولا فعل بلا استعانةٍ تُبقي الحركة معلّقةً بمصدر القدرة لا بحدودها البشرية.

ويُعزّز الوزنُ الزمني للمضارع هذا البناء؛ فاختيار {نعبد ونستعين} لا يصف فعلًا منقضيًا ولا عهدًا مؤجّلًا، بل يعلن حركةً مستمرة تمتد في الحاضر والمستقبل على حدّ سواء، حركةً تُخرج الاستخلاف من نطاق اللحظة إلى سير التاريخ. إن المضارع هنا ليس زمنًا لغويًا محضًا، بل آلة تصوير تُشخِّص زمنًا حيًّا يجعل العبوديةَ والاستعانةَ فعلًا متجدِّدًا ومتصلًا بالقدرة العليا، ومِنْ ثَمَّ، يتحوَّل الإنسان من كائنٍ يُعرِّف موقعه إلى كائنٍ يباشر مسؤوليَّته، ومن متلقٍّ للمعنى إلى منشئٍ للممارسة التي تُترجم ذلك المعنى في العمران البشري.

وحين يقول الإنسان: {إيَّاك نعبد} فإنه لا ينطق بوعدٍ معلّق، بل يعلن *تنزيه السلطة التي يحملها عن أيّ دعوى سيادةٍ أو استقلال، ويقرُّ بأن مشروعية فعله في الأرض لا تُشتقُّ من قوته بل من عبوديته. 

وحين يقول: {إيَّاك نستعين} فإنه يضع حدًّا لتوهّم الكفاية الذاتية، فيربط كلّ قدرةٍ لديه بمددٍ متصل بالملكُ المطلق.

وهكذا تتشكَّل الثنائية التي لا يقوم الاستخلاف إلا عليها: عبوديةٌ تضبط الغاية، واستعانةٌ تضبط الوسيلة. ودون هذا القيد المزدوج؛ ينقلب الاستخلاف استحواذًا، وينقلب التمكين استبدادًا، وينقلب العمل عبثًا أو غرورًا.

على هذا النسق، لا تأتي {إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين} بوصفها جملةً تعبديَّةً تُتلى، بل بوصفها الصياغة التنفيذية الأولى للعقد المؤسِّس الذي يحكم علاقة الإنسان بربِّه، وبنفسه، وبالعالم.

إنها اللحظة التي ينتقل فيها الخطاب من مستوى المعيار إلى مستوى الممارسة، ومن لغة الوصف إلى لغة الالتزام، ومن حضور الربوبية في وعي الإنسان إلى حضور الإنسان في فضاء المسؤولية، وبها لا يُعلن الإنسان فقط انتماءه للمرجعية، بل يُعلن استعداده للشروع في المهمة التي خُلق لها: عمارة الأرض وفق الهداية، ضمن بنية من الرحمة والمحاسبة، وضمن هويةٍ جمعيّة تُدرك حدودها وقدرتها في آن واحد.

وهكذا تغدو {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين} اللحظة التي تتكامل عندها حلقات التأسيس!

إنها نقطةُ العبور من الوعي المجرَّد إلى الفعل المؤسِّس، ومن الموقع المبدئي إلى الدور العمراني..

هي اللحظة التي يدخل فيها الإنسان بوصفه خليفةً إلى فضاء العمل على أساس العبودية؛ واستمداد الاستعانة؛ في صورة من الارتباط الدائم بالملك المالك كما يريدها القرآن: عبوديةٌ تنظم الغاية، واستعانةٌ تحكم الوسيلة، وعملٌ يحمل بصمتهما معًا في التاريخ والجغرافيا.

د. منجد أبو بكر، كلية الشريعة - جامعة قطر

د. منجد أبو بكر د. منجد أبو بكر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

feather د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة (2) - الرحمن الرحيم

feather د. منجد أبو بكر

اقرأ أيضا للإمام

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة (2) - الرحمن الرحيم

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة

banner title

مقالات مرتبطة

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة (2) - الرحمن الرحيم

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة