مناسك الحج وعلاقتها بمفهوم الأمة وسيادتها من خلال النصوص القرآنية

الحج محفل إسلامي إعلامي كبير معبر بصراحة ووضوح عن مفهوم الأمة الحقيقي لكل أهل القبلة، الأمة الواسعة الممتدة والمتجاوزة لكل الفوارق المتصورة لدى الناس، سواء أكانت اللون أم اللغة أم العرق أم الجغرافيا أم المذهب الفقهي والفكري، ولأهميته فإنه يجب على كل المسلمين المستطيعين المشاركة في هذا المحفل الكبير، والتناوب على هذا الإعلان الوحدوي العالمي السنوي، دون أن يخلو عام واحد منه، وإلا أثمت الأمة جميعًا، ولقيمته العالية أراد المشركون طمسه باعتباره العنوان الأبرز للكيان الجديد الواحد المتمايز، فعملوا على تعطيله بالصد عن البيت الحرام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: 25)..
ومن هنا جاء حضور الحج في القرآن الكريم حضورًا كثيفًا مشحونًا بالدلالات العقدية والاجتماعية والحضارية، بل والسياسية أيضًا، بما يجعله أحد أبرز المشاهد العملية التي تتجلى فيها وحدة الأمة وتماسكها الرمزي والوجودي، لذا كان التكليف لإبراهيم عليه السلام -الذي وصفه الله بأنه أمة وحده- أن يقيم البيت لتكريس التوحيد بنوعيه؛ توحيد الله ونفي عن الشرك، وتوحيد الأمة عبر بوابة الحج، فالبيت الحرام في الرؤية القرآنية ليس ملكًا لجغرافيا بعينها، ولا خاضعًا لقومية دون غيرها، بل هو فضاء توحيدي مفتوح للناس كافة، تتجلى فيه المساواة الرمزية بين المقيم والوافد، وبين المركز والأطراف، في صورة تعكس وحدة الأمة أمام ربها.
ولأهمية هذه الشعيرة فقد حج النبي ﷺ أكثر من مرة قبل الهجرة، عن سفيان قال: "حج النبي ﷺ قبل أن يهاجر حججًا" (1).
وقال ابن حزم: "حَجّ ﷺ واعتمرَ قبل النبوّة وَبعدهَا قبل الْهِجْرَة، حِجَجًا وعُمَرًا لَا يُعرَفُ عددُها" (2).
وقال ابن الأثير: "كان رسول الله ﷺ يحج كل سنة قبل أن يهاجر، لم يترك الحج. وقال الحافظ: الذي لا أرتاب فيه أنه ﷺ كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، لم يترك الحج وهو بمكة قط لأن قريشًا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم من لم يكن بمكة، أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يتركه"(). وفي أقل الأقوال لدى الترمذي أنه ﷺ حج ثلاث مرات، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ حج ثلاث حجج؛ حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر"(3).
وهنا لا بد من التفريق بين الحج قبل ظهور مفهوم الأمة وبعد ولادتها، فأما ما كان قبلُ فلا يعبر إلا عن شخص النبي ﷺ كموجه للبشرية في بعدها الديني، كما أننا لا نعلم كيف كان يؤدي الحج، وكيف كانت المناسك، وهل هي على الحال الذي استقرت عليه بعد الهجرة وترسيم ملامح الأمة والدولة، أم مختلفة، فلم يرد أنه قال في مكة لأصحابه: "خذوا عني مناسككم"، لذا فالشأن مختلف تمامًا بعد تأسيس الدولة الوليدة، حيث تأخرت حجة النبي ﷺ كثيرًا، وكانت قبيل وفاته بزمن يسير، وفيها قال (خذوا عني مناسككم)، كما في حديث جابر الذي أخرجه مسلم: يقول رأيت النبي ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: (لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)(4).
قال السهيلي في تعقيب لافت ومهم: ولا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع، وإن كان حج مع الناس إذ كان بمكة كما روى الترمذي، فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج وكماله، لأنه ﷺ كان مغلوبًا على أمره، وكان الحج منقولًا عن وقته، فقد ذُكر أنهم كانوا ينقلونه على حسب الشهور الشمسية ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يومًا (5).
تأخر النبي ﷺ في أداء فريضة الحج، وحين أمكنته الفرصة أوفد صاحبه الصديق رضي الله عنه نائباً عنه، فلم تكن الظروف السياسية للدولة الناشئة تسمح لها بفرض شروطها وما يضمن هيبة الأمة وهيبتها، ولم تكن قضية طواف المشركين عراة إلا صورة لهيمنة قريش وعلو كلمتها، كما كان الحج بإذن من قريش وبغطاء منها. كما أنه كان بعد معاهدة الصلح المنتقصة من سيادة الأمة الإسلامية، وهي مرحلة طبيعية في عمر الدول الناشئة، تُستثمر ويبنى عليها وتعتبر درجة للصعود لما فوقها، وإن كانت آنيًّا لا تعبر عن الشكل الذي يرضي صاحب الدولة وحاكمها ﷺ، ولا تعكس الحجم الذي يأمله لكيانه الجديد، فالحج محفل دولي كبير ولعله من أعظم التجمعات العبادية المتمركزة في صعيد واحد، والتي تحمل فوق طابعها التعبدي دلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ورسائل للداخل المسلم على اختلاف أماكن سكناه، سواء في الدولة أم خارجها، أو الآخر الكافر ممثلاً ببعدين، الأول: الكتلة الصلبة المقيمة في الدولة لكنها تحمل تبعية فكرية للخارج كالمنافقين، والثاني: الخارج بالمعنى الجيوسياسي الدولي.
قال السهيلي: "وهذا هو الّذي منع رسول الله ﷺ أن يحج من المدينة حتى كانت مكة دار إسلام، وقد كان أراد أن يحج مقفله من تبوك، وذلك بإثر الفتح بيسير، ثم ذكر أن بقايا المشركين يحجون ويطوفون عراة فأخَّر الحجَّ، حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وذلك في السنة التاسعة، ثم حج في السنة العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك، وانحسار سير الجاهلية، ولذلك قال في حجة الوداع: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)" (6).
ومما يشير لأبعاد الحج الحضارية والاجتماعية وربما السياسية حضوره في أربع سور قرآنية تحمل طابعًا حركياً بارزًا:
فأولًا: في سورة البقرة، حيث انفرد الحج عن سائر أركان الإسلام بحضوره محاطًا ببطانة قرآنية ذات حمولات وازنة من العمل السياسي والعسكري والاقتصادي، فقد ورد الحديث عن الحج مسبوقًا بالحديث عن القتال المقترن بمكان وزمان الحج، وذلك من (الآية 190 وحتى الآية 195): ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾.
ثم كان الأمر بإتمام الحج والعمرة لله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ... وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) ... وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾..
وكأن النفوذ السياسي والقوة العسكرية وفرض الحضور وبسط الهيمنة وإقامة الدولة شرط لإتمام الحج ولا يكون التمام على الحقيقة إلا بقوة الدولة المسلمة التي تجمع الأمة المسلمة وتوحد بينها، وهو ما يفسر عندي التعبير بالأمة الواحدة لأول مرة في القرآن الكريم عقب الأمر بإتمام الحج والعمرة لله: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ (213)، والتعبير بالإتمام واختصاصه بالحج دون أركان الإسلام الأخرى له إيحاءات خاصة، لعل بعضها متعلق بإتمام مفهوم الأمة، وللعقل أن يذهب فيها مذاهب عديدة.
ثم يمضي السياق القرآني يمهد للعودة للحديث عن الجهاد والقتال، منهجًا مستقرًا في الأمة ووسيلة معتبرة لفرض هيبة الدولة وسلطانها وردع الطغيان والظالمين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (216)، وقد سُبقت كتابة القتال بكتابة القصاص والوصية والصيام، تأسيسًا وتربية وإصلاحًا للفرد والأمة من الداخل قبل الانتقال للعدو الخارجي، هذا من جهة ومن أخرى فالقتال السابق على الأمر بإتمام الحج جهاد دَفعٍ ورد عدوان، وبالتالي فيه حفظ لسيادة الأمة وسلطانها..
أمَّا آية كتابة القتال التي وردت بعد الأمر بإتمام مناسك الحج فهو جهاد بالمفهوم العام وينصرف لجهاد الطلب ابتداء، وهو باقٍ ما بقيت الحواجز التي تمنع من تبليغ الدين ونشره، أو إذا ظهرت الفتن والشبهات التي تهدد الإسلام وعقائده وأصوله من دولة كافرة تبغي الصد عن سبيل الله، أو تنتقص من القرآن والنبي ﷺ وتتبنى ذلك بشكل رسمي، وكلها أسباب كافية لجهاد الطلب، و قد اقترن هذا النوع أيضًا بمكان الحج وزمانه على اعتبارهما شعار الإسلام وللرمزية لأمة التوحيد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)﴾، وبذلك يكون الحج زماناً ومكانًا وشعيرة مصاناً ومحمياً، ومعلناً عن استقلال الدولة وقوتها وسيادتها وشرعيتها.
ثانيًا في سورة الحج المحملة بالرسائل السياسية القوية، ويكفي أن نستحضر أنها السورة التي ورد فيها الإذن بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (39)، فبعد استعراض طويل لبعض مناسك الحج وشعائره حضر الحديث عن القتال في سبيل الله، في ترتيب مخالف لترتيب سورة البقرة التي بدأت بالجهاد ثم الحج، فمنذ الآية الخامسة والعشرين حتى الآية الثامنة والثلاثين (25-38)، بما في ذلك شعيرة البُدن والذبائح وما فيها من أبعادٍ اقتصادية يعود على كل الأمة لا سيما ضعفائها؛ فتزيل بؤس البائس وفقر الفقير، وتشمل القانع والمعتر بالخير والنعمة الاقتصادية، وهو ما لا يكون إلا بالأمن السياسي والعسكري، حينها يكون التأكيد على الصلة بين شعيرة الحج وهيبة الدولة وسلطانها منطقيًا وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبالتالي فلا بد من الإذن بالجهاد، وكان الجسر بين الحج ومناسكه والقتال قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾.
كما أن سورة الحج وعنوانها ومطلعها وموضوعها وتفاصيلها عجيبة جداً، نقل القرطبي عن الغزنوي أنه قال: سورة الحج من أعاجيب السور نزلت ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، مكيًا ومدنيًا، سلميًا وحربيًا، ناسخًا ومنسوخًا، محكمًا ومتشابهًا، مختلف العدد (7).
الحج عنوان التمكين والقوة، ودلالة على إظهار الشعائر والشرائع: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ... ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾.
ولذلك ورد في سورة الحج مقصد فرضية القتال صراحة: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾، وبتمكينهم يسعد الكونه كله، ويخضع الكون كله، ويسلم الكون كله، وينعم بالعدالة والسكون، وهي عدالة عامة تستوعب الناس والحيوان الجماد: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (18)﴾ حضرت هذه الآية في هذه السورة الكريمة لتؤكد خضوع كل شيء لله ولأحكامه، كما تؤكد عالمية الإسلام وشموليته، وأنه مظلة تسع كل شيء حتى الشمس والقمر والنجوم، لنصل إلى أصغر نبتة فيه أو حجر.
وكما كان الحج لا يتم إلا بالجهاد والقتال والفتوة والقوة كما مرَّ بنا في سورة البقرة، فإنه في سورة الحج كان عنوان الإسلام ورمز عالميته وقوته، ولذلك ختمت السورة بالجمع بين الجهاد واختصاص الأمة باسم الإسلام والتذكير بأنه اختيار أبيها إبراهيم عليه السلام الرافع لقواعد الكعبة وصاحب أذان الحج إليها: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)﴾.
سورة الحج محملة برسائل سياسة عديدة، وتحتاج دراسة مفصلة لكنني سأكتفي منها بالتذكير بقضية مهمة تدل على استقلالية الأمة واعتزازها بثقافتها وحضارتها، ولا شك فإن هذه الاستقلالية لا تكون إلا للدولة ذات السيادة والقوة والهيبة، فالضعيف يتبع القوي غالباً، فقد حدثنا القرآن الكريم عن علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى والأديان الأخرى، بإنها علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتنافس الشريف سواء في البعد الديني متمثلاً بالإيمان بالله وما يلزمه من تفاصيل، أم البعد الدنيوي متمثلاً بالعمل الصالح بالمفهوم الواسع، وكان هذا في سورة البقرة والمائدة، في آيتين مدنيتين متشابهتين:
الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾ (البقرة).
والثانية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)﴾ (المائدة).
لتأتي آية الحج الثالثة المشابهة لأختيها بالمجمل، والمفارقة لهما بإعلان المفاصلة مع هذه الأمم والأديان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)﴾ (الحج). فالعلاقة مع الآخر وإن كانت قائمة على التعاون والاحترام والتنافس الشريف لكنها لا تعني الذوبان والتحلل من القيم والمبادئ والأصول، وهو من أهم الدلالات على عزة الأمة وقوتها وثقتها بنفسها وهيبة الدولة واستقلاليتها، ولا شك فإن الأمم القوية تحاول أن تفرض ثقافتها على الآخرين، أو على الأقل أن تمررها لهم بوسائل عديدة ناعمة تارة، وخشنة تارات.
السورة الثالثة الفجر، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ في حديث عن فجر الأمة ونهوضها وقيامها، وكل ذلك جاء مقترنًا بالعشر الأولى من ذي الحجة()، وأن هذه الأمة هي البديل الشرعي والقوي والقطب الصالح المصلح للدنيا عوضاً عن الأقطاب الظالمة الفاسدة، كعاد وثمود وفرعون وقومه، ليختم المشهد بالقاعدة الربانية والسنة الشرعية الكونية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، ولاشك فالعلاقة ظاهرة بين فريضة الحج وزمانها وفجر الأمة وسلطانها.
لتأتي السورة الرابعة لتعلن عن القوة الاقتصادية للدولة الإسلامية متمثلة بزعيمها وقائدها الذي أعطاه الله تعالى الكوثر من كل خير، فجاءت سورة الكوثر تشير لأيام النحر في الحج، والنحر لا يكون إلا للإبل، وهي عنوان الثراء والغنى والاكتفاء، وفيها رمزية مهمة، فالاقتصاد القوي ركيزة أساسية لبناء الدول وتطويرها، وضمانة مهمة لحفظها وبقائها واستقرارها، فنحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين من الإبل بيده، وأمر عليًا رضي الله عنه أن يكمل النحر عنه حتى تمَّمها على المائة()، وهي رسالة اقتصادية سياسية في غاية الأهمية ترد على كل أعداء الدولة الزاعمين بأنها دولة مبتورة وضعيفة أو أن قيادتها بتراء.
وبعد، فإن شعيرة الحج عنوان لركيزتين لا تقوم الدولة بغيرهما وهما الطعام بمفهومه الواسع المستغرق لكل الجوانب الاقتصادية، والأمن بدلالاته السياسية والعسكرية، سواء كان الأمن الفردي أم المجتمعي: وهما الأمران اللذان منَّ الله بهما على خلقه واستحق بهما العبادة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش)..
وعليه فإن الحديث عن الحج في القرآن الكريم كان محملًا بالرسائل السياسة الكثيرة حتى أثناء التوسع في أدق تفاصيله عبر السنة النبوية، كالكشف عن الكتف اليمين في الطواف والرمل فيه، أو الهرولة والمشي السريع للدلالة على فتوة الأمة وقوتها، وكذلك رمي إبليس بالجمرات لا يخلو من رسائل للباطل في كل مكان، وكل ذلك مما ينبغي أن تستثمره الأمة في إظهار معنى الأمة الإسلامية الواحدة؛ حيث يجتمع ملايين البشر في صعيد واحد وفي وقت واحد وبلباس واحد في مشهد مهيب لا يتوفر لغيرها من الأمم يؤكد معنى الأمة الواحدة عبر تطبيق عملي عبادي سلوكي متكرر ومباشر، وإن حاول البعض إنكاره منكفئًا وملتفًا حول قوميات ضيقة وقُطرية حادثة لا تعبر عن الأمة بالمفهوم الكبير..
ففي حين بحثت أوروبا عن قواسم مشتركة بينها توحدها بعد صراع امتد لقرون ختم بحربين عالميتين قتل فيهما ملايين البشر منهم وبأيديهم، فإنهم لم يجدوا بدًا من الاتحاد الاقتصادي والسياسي والعسكري لتحقيق مصالح الجميع، اجتمعوا في ظواهرهم وإن تخالفت قلوبهم، تحت ذريعة المصالح، فكيف بأمتنا المجتمعة ببواطنها وظواهرها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وشعيرة الحج عنوان الاجتماع الكبير والأمة الواحدة والمصير المشترك.
------------------
(1) المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، ت: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990، (3/56).
(2) المختصر الكبير في سيرة الرسول ﷺ، عز الدين بدر الدين بن جماعة الكناني، ت: سامي مكي العاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ودار البشير، عمّان، ط1، 1993م، (69).
(3) سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي (942هـ)، ت: محمود زايد، القاهرة، 1997م، (8/604).
(4) سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (279هـ)، ت: أحمد شاكر، الناشر، مصطفى الحلبي، ط2، 1999م، (3/179). وفي سنن ابن ماجة، ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (273هـ)، ت:محمود خليل، مكتبة أبي المعاطي، (4/264).
(5) رواه مالك في الموطأ والبيهقي في السنن الكبرى، عن جابر قال: أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأوضع في وادى محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، وقال: (خذوا عني مناسككم، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا).
(6) الروض الأنف في شرح غريب السير، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (581هـ)، ت: مجدي بن منصور بن سيد الشورى، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2009م، (4/113).
(7) المصدر السابق، (4/113). والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، (5/107).
(8) الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي (671هـ)، ت: عبد الله التركي ومجموعة، مؤسسة الرسالة، ط1 ،2017م، (14/306).
(10) اختلف المفسرون في تعيين العشر، والصحيح أنها العشر الأولى من ذي الحجة، قال الطبري بعد ذكر الخلاف: والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه.
(11) أخرجه مسلم في صحيحه، بلا تعيين لكونها مائة، وهو ما رواه أحمد في مسنده وغيره، واللافت أن النبي نحر من الهدي يعدد سني عمره المبارك ﷺ، وهي إشارة نبوية لم تفهم إلا بعد وفاته
د. منجد أبو بكر