سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [7] - غير المغضوب عليهم ولا الضالين

بعد أن عرَّفت الفاتحةُ الصراطَ تعريفًا إيجابيًّا في قوله تعالى: ﴿صراطَ الذين أنعمتَ عليهم﴾، جاء قوله: ﴿غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالِّين﴾ تعريفًا تكميليًّا بالسَّلب؛ لأنَّ بناء الهُويَّة الإيمانيَّة لا يكتمل ببيان النموذج المُقتدى به فحسب، بل لا بدَّ معه من تحديد المسارات المُجانَبة؛ فالصراطُ المستقيمُ ليس فكرةً مُجرَّدة بل طريقةٌ مُتحقّقة في جماعةٍ أنعم الله عليها بالهداية والاستقامة، ومِن ثَمَّ فالهداية المطلوبة ليست معرفةً نظريَّة بالطريق، بل انتسابٌ عملي إلى منهج المنعَم عليهم في الفهم والسلوك والثبات.
غير أنَّ التعريف بالإيجاب لا يكفي وحده؛ إذ قد يتزيَّا الانحرافُ بلباس الحقِّ وتختلط السُّبُلُ في الوعي الديني، فجاء التعريف بالسلب ليُغلق باب الالتباس، مُميِّزًا الصراط عن طريقين منحرفين: طريق المغضوب عليهم المنحرفين مع العلم والعناد، وطريق الضالِّين المنحرفين عن جهلٍ أو سوء نظر، وهكذا يتحوَّل الدعاء في الفاتحة إلى تربيةٍ على الوعي بالحدود، فلا تتمُّ الهدايةُ بمجرَّد طلب الصواب، بل كذلك بفِقه الخطأ ومداخله، كما أنَّ الجماعة لا تُعرَّف فقط بما تنتسب إليه، بل أيضًا بما تنفصل عنه، وفي هذا المعنى يكون الإطناب أداةً لحدِّ المجال الدلالي، ومنع التباس المسارات، وإغلاق إمكانات القراءة الفضفاضة..
وليس {المغضوبُ عليهم} و{الضالُّون} أسماء جامدة لجماعاتٍ بعينها، بل هما وصفان منهجيان يتكرَّران متى تكرَّرت عللهما؛ وقد تُجسِّدهما جماعاتٌ تاريخيَّةٌ اشتهرَت بهما، لكنَّ المدار على الحقيقة لا على الاسم. ومن لطيف النَّظم أنَّ القرآن أسند النعمة إليه تعالى صريحًا: ﴿أنعمتَ عليهم﴾، بينما عرَّض في جانب الغضب والضلال: ﴿غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالِّين﴾؛ تعظيمًا للجناب في مقام المناجاة، وتنفيرًا من طرائق أولئك إذ يُذكرون بالغَيبة لا بالمواجهة.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ تعريف الصراط بهذا القيد: ﴿غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالِّين﴾ مع أنَّ طرق الانحراف في الواقع غير محصورة، يُفيد حصر أخطر مسارات الانحراف في هذين النمطين؛ لأنَّ إضافة {غير} إليهما جعلت الصراط متميِّزًا عنهما على وجهٍ حاسم، وليس ذلك لأنَّ السُّبلَ غير المستقيمة لا تتعدَّد، بل لأنَّ معظمها يرجع في النهاية إلى أحد هذين الأصلين الجامعين؛ فطريق المغضوب عليهم طريقٌ يتلبس بالعلم والمعرفة، وهو لذلك شديد الجاذبيَّة لمن يطلب الوجاهة العلميَّة أو السُّلطة الدينيَّة؛ إذ قد يُلبِس صاحبه انحرافَه لباس الفهم والبرهان، فيغدو خطره أعظم لما فيه من فتنة العلم المزيَّف، أمَّا طريق الضالِّين فهو طريق التشهِّي واتِّباع الهوى أو الجهل، وهو الطريق الأوسع سلوكًا بين الناس.
وليس ترتيب هذين الوصفين في الآية كيفما اتَّفق؛ فالتقديم للمغضوب عليهم لأنَّ الانحراف عن علمٍ غالبًا أشدُّ خطرًا وأقبح أثرًا من الانحراف الناشئ عن الجهل إذ فيه تمييعٌ للحقِّ مع العلم به، وهو أفسد في ميزان الهداية من الخطأ الذي ينشأ عن قصور الفهم، لذا صرَّحت الآية بعقابهم وهو الغضب، وسكتت عن المـُـعاقب ربئًا بمحله، كما سكتت عن عقاب الضالِّين، فليس ثَمَّة مَغرَمٍ أعظم من الضلال في ميزان العقلاء، وأمَّا تأخير الضالِّين فلأنَّهم الأكثر عددًا والأعمُّ حالًا؛ وكلُّ من لم يهتدِ إلى الحقِّ في النهاية داخلٌ في وصف الضلال، حتى من تزيَّا بزيِّ العلم ولم يعمل به، فكان ذكر الضالِّين في ختام الآية تعميمًا بعد تخصيص يجمع صور الانحراف كلَِّها في خاتمةٍ جامعة.
وبذلك ترسم الفاتحةُ معالم الصراط من جهتين متكاملتين: اقتداءٌ بالمنعَم عليهم، وتحرُّزٌ من طرائق المغضوب عليهم والضالِّين؛ ليقوم البناء الإيماني على توازنٍ بين طلب الهداية ومعرفة الانحراف، وبين اتِّباع النموذج الحقِّ ومفارقة المسارات التي تُفضي إلى الغلوِّ أو الضلال، ولهذا جرت السُّنَّة أن تُختَتم الفاتحة بقول: آمين، وهو موضع تأمين التَّالين والسَّامعين على هذا الدعاء الجامع؛ إذ يجتمع في السورة بيان الطريق وحدوده مع مقام الابتهال والتضرُّع، فكأنَّ العبد بعد أن تعرَّف معالم الصراط ومسارات الانحراف يُعلن خضوعه لربِّه طالبًا الهداية منه، فتتربَّى النفس على أنَّ الطريق مَوهوبٌ بالفضل لا محسومٌ بالجهد والعدل.
د. منجد أبو بكر، كلية الشريعة - جامعة قطر.
د. منجد أبو بكر