رمضان وإعادة مشهد التكليف الأول: ضمانات العودة إلى الجنة

إنَّ ربط الصيام بنزول القرآن في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو استئناف لمشهد التكليف الأول في تاريخ الإنسان؛ إذ كان أصل الإمساك والانضباط حاضرًا في أول ابتلاء لآدم، حين نُهي عن الاقتراب من الشجرة كتجربة أولى لمعنى الصيام، في مشهدٍ تكاملت فيه عناصر التكليف من أمرٍ ونهي، وثوابٍ وعقاب.
وفي تلك اللحظة كان آدم يملك الهداية الفطرية التي أودعها الله فيه، وكانت البيّنات حاضرة فيما تلقاه من كلمات ربِّه، غير أنَّ الفرقان لم يثبت أمام غواية الشيطان، فوقع اللبس، واضطرب التمييز، فكان الخروج من الجنة.
ومن هنا جاءت حكمة أن يكون الصيام ظرفًا للقرآن؛ لأنَّ الله أراد للإنسان أن يعيد مشهد التكليف الأوَّل، ولكن في ظل منظومةٍ مكتملةٍ من الهداية والبيِّنات والفرقان؛ ضماناتٍ تعصِمُ أبناء آدم من السقوط وتؤهِّلهم للعودة إلى الجنة التي خرج منها أبوهم.
1. فالقرآن أوَّلًا هدًى للناس، وهو أثرٌ قلبي يوقظ الفطرة قبل بناء المعرفة؛ هدايةٌ تتوجه إلى القلب لتجعله أقرب إلى الخشوع والانقياد، حتى قبل الإحاطة بدقائق الأحكام، وهو وجه من وجوه إعجاز القرآن الذي يصل قلوب التالين وإن لم يكونوا من العلماء العارفين.
2. ثم تترقَّى هذه الهداية إلى بيِّنات من الهدى؛ حيث يتحول نور القلب إلى يقينٍ مؤسس على الدليل، وتستقيم به معالم الصراط المستقيم الذي طلبه المؤمنون في الفاتحة. وإذا كان ذكر السالكين للصراط (النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) جزءًا من تعريف الطريق، فإن حضور النبي ﷺ هو الذروة العليا لهذه البيِّنات؛ فقد وصفه القرآن بأنه البينة الكبرى في قوله: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾، وفي آيات الصيام يحضر القرآن ليكتمل أثر البينات للعبد الصائم على طريقة تلاوة النبي للقرآن.
3. ثم يأتي الفرقان ليكتمل البناء؛ إذ لا تستقر الهداية ولا تثبت البيّنات إلا بميزانٍ يحسم التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والشبهة، وبين العفة والشهوة. وهذا هو الموضع الذي وقع فيه الخلل في التجربة الأولى؛ فغاب الفرقان لحظةً واحدة، فكان السقوط. فجاء القرآن ليعيد بناء الفرقان في وعي الإنسان، ويقيم له ميزانًا لا يختلُّ.
وعند اجتماع هذه الثلاثيَّة في قلب الصائم: هدايةٌ تُحيي الفطرة، وبيِّناتٌ تُقيم العقل، وفرقانٌ يُحكم السلوك. يتحقق الوعد الإلهي المباشر: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وهذا قربٌ يتجلى من جهة الرب، كما أن السجود قربٌ من جهة العبد؛ فالساجد يقترب من ربه، وأمَّا الصائم فيقترب الرب منه قرب رحمةٍ وعنايةٍ وإقبال.
وهكذا يُصبح رمضان إعادةً لهندسة الوعي، وتجديدًا لمشهد التكليف الأوَّل، ولكن هذه المرَّة في ظل وحيٍ محفوظ، ومعاييرَ واضحة، وميزانٍ لا يضطرب. فمن جَمَع الصيام والقرآن على هذا الوعي، كانت تلاوته هدى وبيِّنات وفرقانًا، وكانت عبادته طريقًا للرجوع إلى مقام القرب والرضوان والجنة التي خُلق لها الإنسان.
د. منجد أبو بكر
د. منجد أبو بكر