مسجد ليفربول: كيف وُلد أول مسجد في بريطانيا ونهض من رماد النسيان؟

في قلب حي "وست ديربي رود" بمدينة ليفربول، يقف مبنى فيكتوري متواضع المظهر، لكنَّه يحمل مكانة فريدة في تاريخ أوروبا الدينيَّة: فهو أوَّل مسجد مسجَّل رسميًّا في بريطانيا، ومن أوائل المؤسَّسات الإسلاميَّة في القارَّة العجوز كلِّها. وقصته ليست فقط قصَّة حجر وطوب؛ بل قصَّة صعود وأفول ونهضة امتدَّت أكثر من قرنٍ وثلاثين عامًا.
من قاعة مستأجرة إلى بيت للعبادة
بعد إعلان المحامي الإنجليزي عبد الله كويليام إسلامه في يونيو/حزيران 1887، بدأ نشاطه الدعوي في قاعة صغيرة مستأجرة تُعرف بـ"قاعة فيرنون" (Vernon Hall) في شارع مونت فيرنون بليفربول. سرعان ما ضاقت القاعة بأعداد المهتدين والمهتمين، فانتقلت المجموعة الناشئة، التي أطلقت على نفسها اسم "معهد ليفربول الإسلامي"، إلى مقرٍّ أوسع في "بروغام تيراس" رقم 8.
جاء التمويل اللازم لشراء المبنى من تبرُّع سخي قدَّمه الأمير نصر الله خان -نجل أمير أفغانستان- تقديرًا لجهود كويليام الدعويَّة. وبهذا التمويل، لم يكتفِ كويليام بشراء العقار رقم 8 فحسب، بل ضمَّ لاحقًا العقارين المجاورين رقم 11 و12 لتوسعة أنشطة المعهد.
افتتاح رسمي في يوم عيد الميلاد
في مفارقة لافتة، اختار عبد الله كويليام تاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول 1889 -يوم عيد الميلاد عند النصارى- موعدًا لافتتاح المسجد رسميًّا، واستقبل فيه ضيوفًا مسيحيِّين للاحتفال بالمناسبة، مبرِّرًا ذلك بأنَّ المسلمين يؤمنون بجميع الأنبياء ويحترمون الديانات السماويَّة كافَّة. كانت هذه اللفتة أيضًا رسالة ضمنيَّة بأنَّ للإسلام مكانه المشروع داخل النسيج البريطاني، لا أن يكون دخيلًا عليه.
يُعدُّ هذا التاريخ -بحسب غالبية المصادر التاريخيَّة وموقع جمعيَّة عبد الله كويليام- افتتاح أوَّل مسجد وظيفي (functioning mosque) في بريطانيا، وإن كانت بعض الدراسات تُشير إلى أنَّ مسجد ووكينغ في جنوب لندن، الذي أسسه المستشرق غوتليب لايتنر، افتُتح رسميًا في العام نفسه 1889 أيضًا، ما أثار جدلًا أكاديميًّا حول أسبقيَّة أيٍّ منهما. ويُرجِّح البروفيسور رون جيفز -مؤرخ سيرة كويليام- أنَّ معهد ليفربول كان الأسبق في فتح أبوابه للعامَّة والدعوة الفعليَّة إلى الإسلام.
أكثر من مسجد: مؤسَّسة اجتماعيَّة متكاملة
لم يكن المسجد مجرَّد مكان للصلاة، بل تحوَّل إلى مركز اجتماعي وتعليمي وخيري متكامل يعكس رؤية كويليام لدور المسجد في المجتمع الغربي:
● التعليم: افتُتحت مدرسة داخلية للأولاد ومدرسة نهارية للبنات، إلى جانب فصول مسائية في علوم متنوعة يحضرها مسلمون وغير مسلمين على حد سواء، وضمّ المبنى متحفًا ومختبرًا علميًا.
● الرعاية الاجتماعية: أسس كويليام دار أيتام أطلق عليها "بيت المدينة" (Medina House) لرعاية أطفال غير مسلمين تعذّر على ذويهم رعايتهم، بموافقتهم على تربيتهم وفق القيم الإسلامية.
● الإطعام والإيواء: كان المسجد يقدّم الطعام والمأوى لطالبيه من فقراء المسلمين وحتى فقراء المسيحيين، ويستقبل البحارة والجنود المسلمين العابرين عبر ميناء ليفربول.
● الإعلام والنشر: أنشأ المعهد مطبعته الخاصة في الطابق السفلي، وأصدر منها صحيفة أسبوعية باسم "الهلال" (The Crescent) بدءًا من 1893، ومجلة شهرية باسم "العالم الإسلامي" (The Islamic World) وُزّعت في أكثر من 20 دولة.
بفضل هذا النشاط المكثف، بلغ عدد أعضاء المعهد المسجَّلين نحو 150 عضوًا بحلول مطلع القرن العشرين، معظمهم من الإنجليز المهتدين حديثًا، وزاره دبلوماسيُّون ومسؤولون رفيعو المستوى من العالم الإسلامي، من بينهم ممثِّلون شخصيُّون للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني.
الإغلاق: نهاية مفاجئة عام 1908
في مايو/أيار 1908، غادر عبد الله كويليام ليفربول إثر فضيحة قانونيَّة تتعلَّق بقضية طلاق، وأُوقف عن ممارسة المحاماة. وبغيابه، تفرَّق أغلب أعضاء الجالية المسلمة الناشئة، وباع ابنه العقار إلى بلدية ليفربول، فتحوَّل المبنى إلى مقرٍّ لسجل المواليد والوفيات والزيجات في المدينة (Register Office) استمر قائمًا لعقود، بينما تحوَّل جزء المسجد نفسه إلى غرفة تخزين محصَّنة، وفُقِدت معظم معالمه الأصلية.
ولعقود طويلة، كان موظَّفو السجل المدني يُطلقون على تلك الغرفة اسم "المسجد الصغير" (the little mosque) دون أن يعرفوا سبب هذه التسمية أو يُدركوا قيمتها التاريخيَّة، وهي مفارقة تُلخِّص كيف طُوي هذا الإرث في غياهب النسيان لأكثر من قرن. كما هُدم العقاران المجاوران رقم 11 و12 بين عامي 1908 و1927 لبناء دار سينما، فلم يبقَ من مجمع كويليام الأصلي سوى المبنى من رقم 8 إلى 10.
النهضة: من الاكتشاف إلى إعادة الافتتاح
في أواخر التسعينيات، اكتشفت مجموعة صغيرة من مسلمي ليفربول، من بينهم الدكتور أكبر علي، أنَّ مبنى السجل المدني القديم هو في الحقيقة موقع أوَّل مسجد في بريطانيا. فأسَّسوا "جمعية عبد الله كويليام" (Abdullah Quilliam Society)، وكان أوَّل أعمالها وضع لوحة تذكاريَّة على واجهة المبنى تُخلِّد سيرة الشيخ عبد الله، كشفت عنها حفيدته باتريشيا غوردون شخصيًّا.
في عام 2004، أُقيمت أوَّل صلاة جماعيَّة في المسجد الأصلي منذ أكثر من قرن، في مناسبة وثَّقتها هيئة الإذاعة البريطانيَّة (BBC) بفيلم وثائقي، وأمَّها الدكتور أكبر علي، رئيس الجمعية آنذاك.
أغلق مكتب السجل المدني أبوابه نهائيًّا عام 2000، وترك المبنى عرضة للإهمال وأعمال التخريب لسنوات، قبل أن تمنح بلدية ليفربول الجمعية عقد إيجار رمزي في عامي 2005-2006 لبدء أعمال الترميم. استغرقت عملية الترميم الدقيقة سنوات طويلة، بتكلفة قُدِّرت بملايين الجنيهات الإسترلينيَّة، شملت إعادة العناصر المعمارية الفيكتوريَّة والجورجيَّة الأصليَّة.
وفي يوم مشهود، 27 يونيو/حزيران 2014، أُعيد افتتاح المسجد رسميًّا للصلاة بعد توقُّف دام 106 أعوام، في لحظة وُصفت بأنَّها إحياء لأقدم إرث إسلامي مؤسِّسي في بريطانيا. وفي عام 2018، نجحت الجمعية في تملُّك رقبة العقار بالكامل من بلدية ليفربول، بعد أن كانت تستأجره فقط.
المسجد اليوم: مركز تراثي وطني
يُصنَّف مبنى مسجد عبد الله كويليام اليوم ضمن قائمة "Grade II*" للمباني ذات الأهميَّة المعماريَّة والتاريخيَّة الخاصَّة في بريطانيا -وهو تصنيف رُفع إليه عام 2018 تقديرًا لقيمته الاستثنائيَّة- ويُدار بوصفه "مركز عبد الله كويليام التراثي الوطني"، يستقبل المصلِّين أسبوعيًّا، إلى جانب الزوَّار والباحثين والوفود من مختلف الأديان الراغبة في التعرُّف على تاريخ الإسلام في بريطانيا.
وتواصل جمعية عبد الله كويليام حتى اليوم جهود التوسُّعة؛ إذ أطلقت حملات تبرُّع لاستعادة الأجزاء المتبقية من المجمع الأصلي، وإنشاء مركز زوَّار ومتحف ومكتبة، وفاءً لرؤية كويليام الأولى في مشروعه لعام 1889.
خاتمة: مسجد يحمل رسالة
يُمثِّل مسجد ليفربول اليوم أكثر من مجرَّد أثر تاريخي؛ فهو شاهد حي على أنَّ للإسلام جذورًا أوروبية أصيلة تمتدُّ لأكثر من قرنٍ وثلاثين عامًا، وأنَّ المسلم الأوروبي ليس دخيلًا على قارَّته، بل وارثٌ لتاريخٍ طويل من الإسهام والانتماء.
وفي زمنٍ يبحث فيه كثيرٌ من مسلمي أوروبا عن جذور وهوية، تبقى قصَّة هذا المسجد الصغير -الذي وُلد من قاعة مستأجرة ونهض من غرفة منسية- مصدر إلهام وتذكير بأنَّ العمل المؤسَّسي الصادق يبقى أثره حاضرًا حتى بعد رحيل صاحبه بعقودٍ طويلة.
المصادر
● Liverpool Muslim Institute, Wikipedia (نسخة محدثة 2026).
● الموقع الرسمي لجمعية عبد الله كويليام: abdullahquilliam.org.
● Discover Liverpool (Ken Pye): "Abdullah Quilliam and Britain's First Mosque".
● Arab News: "Restoring Britain's Islamic heritage", 2009.
● Ron Geaves, Islam in Victorian Britain: The Life and Times of Abdullah Quilliam, Kube Publishing, 2010.
● الجزيرة نت: مقالات عن سيرة عبد الله كويليام ومسجد ليفربول.
- الكلمات الدلالية
- مسجد ليفربول
- ليفربول
- بريطانيا
- مساجد أوروبا
- العصر الفيكتوري
- الإسلام في أوروبا
إدارة الإعلام