path

التربية الوقائية في الإسلام | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فإن المنهج الوقائي في الإسلام مقدم على المنهج الدفاعي أو العلاجي أو حتى العملي، وهو ما غاب عنا اليوم في المجال الدعوي والتربوي وربما حضر قولًا لا فعلا في المجال الصحي فيحفظ غالب الناس المقولة الشهيرة: "درهم وقاية خير من قنطار علاج" وفحوى المنهج الوقائي أو التربية الوقائية أن تُتَّخذ الإجراءات التي تحمي وتمنع من وقوع الأزمة أو المشكلة قبل أن تقع، فذلك خير من أن تنتظر وقوعها ثم تبحث لها عن علاج قد تُوفق فيه وقد لا توفق فتتضاعف المشكلة والأزمة أكثر، وغالب الناس يقصدون الأطباء والمعالجين النفسيِّين بعد استفحال الخطر والأزمة وكان يمكن تجنب أصل الداء بقليل من الإجراءات التي تسبقها لو تمَّت، وذات الأمر في المشكلات الأسرية، والتربوية مع الأبناء، وكذا العقدية والإيمانية، فيأتيك من يشكو من إلحاد ولده، أو تلبسه بكبيرة من الكبائر، أو تعلق ابنته عاطفيا بشاب غير مسلم، وسلسلة المشكلات الحياتية في الواقع الأوروبي لا تكاد تنتهي عند حد، وقبل أن نبحث عن الحلول المناسبة لتلك المشكلات كان الواجب والأصل أن نبحث ونسأل كيف نتجنبها، وهذه مؤسسات إسلامية كبرى وقعت في أزمات مالية تهددها بالإفلاس والتوقف، وكان يمكن تجنبها لو بحثت وسألت قبل أن تبدأ عن سُبل تجنبها، وذات الشيء وقعت فيه الحركات الإسلامية التي تسعى إلى الأخذ بيد الناس إلى الله وتفهيمهم الإسلام؛ ذلك أنهم لم يبحثوا في وقت مبكر من نشأتهم كيف يتجنبون المخاطر والاستئصال في وقت لاحق فعملوا دون دراية أو تفعيل للمنهج الوقائي في التربية والعمل للدين..

وهذه صورٌ من الـتأصيل للتربية الوقائية في الإسلام:

 

1. المنهج الوقائي في سورة النور: سورة النور تهدف إلى إقامة مجتمع نظيف تقلُّ أو تنعدم فيه الفواحش والمنكرات، وهي لا تعتمد لإيجاد هذا المجتمع العقوبة أو الحلول العملية فقط وإنما تركز على الخطوات الوقائية التي تقلل الإثارة وتحفظ الغريزة..

ومن هذه الإجراءات الوقائية: غض البصر وحفظ الفرج: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]..

ومنها: الأمر بالاحتشام في الملبس: قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]..

ومنها: أدب الاستئذان: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: 27]..

ومنها: التحذير من إشاعة الفواحش: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19]..

ثم تنتهي السورة إلى الحل العملي للتعامل مع الغرائز وتهذيبها بالزواج قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32]، فالمنهج الوقائي يجعل الخطوة العملية فاعلة في تجنب الفواحش والمنكرات وإيجاد هذا المجتمع النظيف العفيف الذي ينشده الإسلام.

2. المنهج الوقائي في سورة الحجرات: سورة الحجرات من السور القرآنية التي تعددت فيها مظاهر المنهج الوقائي للفرد والمجتمع ومن ذلك: التثبت والتبين: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]؛ فالتثبت والتبين قبل إصدار الأحكام يحمي الفرد والمجتمع من عواقب وتبعات تحتاج إلى جهد ووقت لإصلاحها وقد لا تنمحي آثارها بالكلية، ومنها: النهي عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]، وكم عانت المجتمعات المعاصرة من آثار التنمر من أصحاب العاهات والابتلاءات وتبعاته ولو تمثَّل أي مجتمع هذه الآية لنجا من هذه الآفات، ومنها: النهي عن الظن والتجسس والغيبة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].

3. المنهج الوقائي في عموم القرآن الكريم: المتأمل في القرآن الكريم يجد العديد من المواضع التي يؤسس فيها للتربية الوقائية كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16] فالوقاية من الشح تجنب صاحبه الكثير من الذنوب والمعاصي وأمراض القلوب، والصلاة وقاية وحماية من المعاصي والفواحش قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، فمن ربى أولاده من الصغر على حب الصلاة جنَّبهم بحبها والمداومة عليها من الوقوع في الفواحش فإن قُدِّر لهم الضعف أمامها كانت الصلاة سببًا في عودتهم، والوقاية الأخلاقية بتجنب أسباب المعصية قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151] أي: لا تفعلوا كل ما يؤدي إليها.

4. المنهج الوقائي في السنة النبوية: والسنة النبوية مليئة بالتوجيهات الداعية إلى التربية الوقائية كقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والجلوسَ بالطرقاتِ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما بُدٌّ لنا من مجالسِنا نتحدَّثُ فيها، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إن أبيتم فأعطوا الطريقَ حقَّه. قالوا: وما حقُّ الطريقِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهي عن المنكرِ" متفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..

وكقوله صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ. فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ! أفرأيتَ الحموَ؟ قالَ: الحموُ: الموتُ". متفق عليه عن عقبة عامر رضي الله عنه.

أي أنه يجب أن تجتنب الخلوة بأقارب الزوج كأخيه وعمه كما يجتنب الموت أو أنَّه يؤدِّي إلى موت الدين في القلوب. فما أحوجنا إلى تفعيل المنهج الوقائي في بيوتنا ومساجدنا، ولعلنا نُكمل حديثنا في جمعة تالية إن شاء الله.

اللهم اهدنا واهد بنا وأجعلنا سببًا لمن اهتدى، وفرِّج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وعن المستضعفين في كلِّ مكان، والحمد لله رب العالمين. 

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 24 إبريل 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

ضرورة الترابط الاجتماعي للمسلمين في الغرب | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

العالم بين حضارتين | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

ضرورة الترابط الاجتماعي للمسلمين في الغرب | خطبة الجمعة

article title

العالم بين حضارتين | خطبة الجمعة

article title

واجب المسلمين في الغرب نحو المسرى والأسرى | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

ضرورة الترابط الاجتماعي للمسلمين في الغرب | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

العالم بين حضارتين | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

واجب المسلمين في الغرب نحو المسرى والأسرى | خطبة الجمعة