path

العالم بين حضارتين | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فبعد إعلان توقف الحرب الظالمة التي تابعناها على مدار الأسابيع الماضية والتي ندعو الله أن يكون توقفًا نهائيًّا لحربٍ يُدَمَّر فيها الإنسان والعمران، وألَّا تكون مجرَّد هدنة مؤقتة تعود بعدها الحرب إلى أشرس ممَّا كانت عليه، وأن يعمَّ الأمن والعدل والسلام أرجاء العالم، وأن تنعم الإنسانيَّة بالسكينة والطمأنينة، وأن يتوقف الإنسان عن البغي والتوحُّش على أخيه الإنسان.

بعد توقُّف الحرب يجدر بنا أن نتأمل في دروسها وآثارها على البشريَّة وكيف أنَّ هذه الحرب أظهرت التفاضل والتمايز بين حضارتين: حضارة العدل والسلم بحق، وحضارة البغي والمحو بظلم؛ الأولى حضارة الإسلام بعدلها وسلمها وإنسانيَّتها، والثانية الحضارة المعاصرة ببغيها وظلمها وسعيها لإذلال الشعوب وقهرها ونهب ثرواتها؛ فقد تابعنا جميعًا قبل يومين تصريحات رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم تلك التي تعتبر نفسها راعية التحضر وأُس الإنسانية وحقوق الإنسان والحيوان وهو يصرِّح: "حضارة بأكملها ستُمحى ولن تعود إلى الأبد"!! رئيس دولة متحضِّرة يتفاخر بالمحو والهدم بدلًا من البناء وحماية الإنسان والتاريخ والعمران، ولا عجب في تلك التصريحات؛ فالمحو هو سياسةٌ عاينها العالم وشاهدها على الشاشات في غزة الأبيَّة، وفي العراق، وفي أفغانستان، وقائمة المحو والإغارة تطول!!

والأزمة بحقٍّ هي أن تَتَّهم هذه الحضارة بعد كلِّ هذا الطغيان والتوحش في الحروب واضحة الأهداف دينَ الإسلام بأنَّه دين العنف والقتل والإرهاب، وأنَّه انتشر بالسيف، وأنَّه يسعى إلى إكراه الناس على اعتناقه، وأنَّ عليه أن يُراجع ويمحو آياتٍ في القرآن الكريم تدعو للعنف والقتل بغير حق!! فأيُّ الفريقين أحقُّ بالوصف؟ وشتَّان بين حروب وغزوات الإسلام وغاياتها ومقاصدها وبين غايات ومقاصد الحرب المعلنة في حضارة اليوم، وشتَّان بين أخلاق الإسلام الحربيَّة قبل وأثناء وبعد الحرب، وبين أخلاق حضارة محو الحضارات وإزالة التاريخ.

إنَّ المراقب لأحداث الحرب الجارية ليرى بجلاء ووضوح افتقار العالم لدين الإسلام وحضارته وعدله في السلم والحرب..

ويمكننا إيجاز معالم التمايز بين الحضارتين في الحروب مقصدًا وأخلاقًا فيما يلي:

1. غايات الحرب ومقاصدها بين حضارتين:

الراصد لنصوص القتال في الوحيين والمتأمل في الغزوات التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده يلحظ أن غايتها ومقصدها ينحصر في أحد الأمور الآتية:

أولًا: رد العدوان؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193]، وفرق كبير بين صد العدوان وبين البدء بالعدوان كما يحدث الآن.

ثانيًا: تأمين حرية الاعتقاد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39] فقد كان المشركون يضطهدون المسلمين ويعذبونهم لترك دينهم فشُرع القتال لتأمين حرية الاعتقاد لهم وليس لإكراههم على الدخول في الإسلام قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] وفرق كبير بين تحرير الإنسان ليؤمن أو يكفر وبين إكراهه على ترك وطنه أو التفريط في مقدساته أو ثرواته التي وهبه الله إيَّاها.

ثالثًا: إنقاذ المستضعفين وتحريرهم من المتكبرين الجبارين الذين يملكون القوة لإذلالهم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]، وفرق كبير بين قتال لتحرير وإنقاذ المستضعفين وبين قتال لإيجاد آلاف وملايين المستضعفين والمشردين. وليس صحيحا أن القتال شرع في الإسلام لمحو الكفر من العالم لئلا يبقى على الأرض إلا مسلم؛ فهذا هدف باطل بنص القرآن الذي يقرر أنَّ خلق الناس مختلفين في عقائدهم هو أمر واقع بمشيئة الله عزوجل قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، وكذلك الهدف الاقتصادي للقتال في الإسلام مرفوض، وذلك بأن يكون القتال لتحصيل الغنائم والكنوز والأراضي للمقاتلين أو للمسلمين هذا هدف مرفوض قطعا بنص القرآن والسنة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76]، وقد نفي النبي صلى الله عليه وسلم صفة أن يكون القتال في سبيل الله بحق من قاتل للمغنم أو ليذكر أو ليرى مكانه وقال:" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" متفق عليه. فهذه حضارة الإسلام ترفض بجلاء أن يكون القتال لأهداف اقتصادية، واليوم الهدف المعلن لمحو الحضارة والتاريخ هو السيطرة على ثروات الشعوب واقتصادها.

2. أخلاق الحرب بين حضارتين:

الحرب في الإسلام حرب أخلاقية وفي الحضارات الأخرى على الرغم من الاتفاقيات الدولية بأخلاقيات الحرب فإنَّه لا التزام بها في كلِّ الحروب المعاصرة التي تمَّت بعد هذه الاتفاقيَّات؛ ذلك أنَّ الحضارة الغربية ترفع شعار "الغاية تُبرِّر الوسيلة" بل كثيرًا ما تكون الغايات غير أخلاقية فمن باب أولى الوسائل الموصلة إليها؛ فالغرب يؤمن بحقِّ القوة لا بقوة الحق بدليل مبدأ الفيتو في مجلس الأمن؛ فالأقوى هو الذي يُسيطر ويسود الناس أحبُّوا أم كرهوا، فالبقاء للأقوى وليس للأصلح! والأخلاق في الإسلام واجبات دينيَّة وهي من شُعَب الإيمان؛ كالعدل والإحسان والرحمة والوفاء بالعهد.

وأخلاق الحرب في حضارة الإسلام بابٌ واسعٌ جدًّا يصعب تفصيله في هذه الخطبة القصيرة، ولكن قبل الحرب يُحرِّم الإسلام استعمال أيِّ وسائل غير أخلاقيَّة أو غير نظيفة للانتصار في الحروب، وأثناء الحرب يُحرِّم الإسلام قتل من لا يُقاتل، كما يُحرِّم الاعتداء على البنيان والعمران وحتى الأشجار والطبيعة، وكلُّ حربٍ تدمِّر الحياة تدميرًا شاملًا يرفضها الإسلام ويعتبرها ضربًا من ضروب الإفساد الممنوع في الأرض قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205]..

وبعد الحرب يأمر الإسلام بالإحسان إلى الأسرى وعدم إذلالهم أو إهانتهم أو تخويفهم أو تعذيبهم فضلا عن قتلهم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: 70]؛ فقد أمر الله تعالى نبيه أن يخاطب الأسرى خطابًا يبشرهم بغد أفضل ومستقبل أفضل إذا تخلو عن ظلمهم وكفرهم وأخلصوا نيتهم لله وسيعوضهم الله خيرًا ممَّا أُخذ منهم من فداء. فتأملوا تعامل حضارتنا مع الأسير وحضارة اليوم التي تُشرعِّ قتله وشنقه دون محاكمة أو مساءلة!!

اللهمَّ ارفع عنَّا الحرب والظلم والغلاء والوباء، وقِنا شرَّ الفُرقة والاختلاف، وأنعم علينا بالأمن والعدل والحرية، وفرج الكرب عن المستضعفين في كلِّ مكان، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا. 10 إبريل 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

واجب المسلمين في الغرب نحو المسرى والأسرى | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

الفتورُ المَرَضِي | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

واجب المسلمين في الغرب نحو المسرى والأسرى | خطبة الجمعة

article title

الفتورُ المَرَضِي | خطبة الجمعة

article title

خطبة عيد الفطر المبارك 1447هـ

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

واجب المسلمين في الغرب نحو المسرى والأسرى | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

الفتورُ المَرَضِي | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

خطبة عيد الفطر المبارك 1447هـ