الأقصى في زنزانة .. صرخة الأقصى من سجون الاعتقال

في ليلةٍ ثقيلةٍ كأنَّها امتدادٌ لصمت التاريخ، انطفأت أنوار المدينة، وبقي نورٌ واحدٌ يتسلَّل من بين قضبان زنزانةٍ ضيِّقة هناك، حيث لا جدران تشبه الجدران، ولا صمت يشبه الصمت، كان الأقصى لم يكن حجرًا، ولا مجرَّد معلمٍ عتيق، بل كان روحًا تُقيّد، وذاكرةً تُعتقل، وأمةً تُختبر.
الأقصى: بصوتٍ هادئٍ لكنَّه نافذ، أيُّها السجَّان ما ذنبي حتى أُُقيَّد؟ أأنا جريمةٌ لأنَّني قبلة الأنبياء؟ أأنا خطرٌ لأنَّني شاهدٌ على الحقِّ؟
السجَّان ببرود: أنت رمزٌ والرموز تُخيف، وأنت ذاكرةٌ والذاكرة تُقلِق، وأنت بوصلةٌ ونحن لا نريد لأحدٍ أن يهتدي.
الأقصى: وهل تُسجَن البوصلات؟ وهل تُكسَر الجهات؟ أنا لست حجارةً تُطوّقها الأسلاك، أنا عقيدةٌ تسكن القلوب فكيف تحاصرون القلوب؟
يمرُّ اليوم الأول ثم الخامس ثم العاشر، وفي كلِّ يومٍ، كان الأقصى يرفع صوته، لا ليكسر الجدران، بل ليوقظ الضمائر.
يا إخوتي يا من صليتم نحوي يومًا أَمَا آن أن تسألوا: كيف أصبحتُ أسيرًا؟ كيف صار موضع سجودكم مكانَ حصار؟ أنا لا أطلب دماءكم بل يقظتكم، ولا أستصرخ سيوفكم بل ضمائركم.
وفي اليوم الخامس عشر، الأقصى يخاطب المعارضين لتحريره أيها الواقفون على الحياد أيها الذين قالوا أليس وقت الأقصى متى يكون الوقت إذن؟ حين يُمحى اسمي؟ أم حين تُنسى قضيَّتي؟ الحياد في سجني ليس حكمةً بل خذلان، والصمت على قيودي ليس سلامًا بل استسلامًا.
وفي اليوم العشرين، جلس الأقصى كأنه يُعدُّ حقوقه؛ لا لنفسه، بل للعالم كلِّه، فقال: لي عليكم حقوقٌ ليست دينيَّةً فحسب، بل إنسانيَّة..
أمَّا الدينيَّة: فأنا أمانة العقيدة، وميراث النبوَّة، وموضع السجود الذي باركه الله فمن ضيَّعني، ضيَّع جزءًا من إيمانه، وأمَّا الإنسانيَّة: فأنا رمز الحرِّيَّة، وكلُّ إنسانٍ حرٍّ يجب أن يرفض سجني؛ لأنَّ الظلم إذا قُبِل هنا، سيتكرَّر في كلِّ مكان، وأمَّا الاجتماعيَّة: فأنا جامع الأمة إذا سقطتُ، تفرَّقتم أكثر وإذا نُصرتُ، اجتمعتم على معنى، وأمَّا السياسيَّة: فسجني دليل عجزكم وتحريري إعلان وعيكم ، القضايا العادلة لا تموت، لكنها تحتاج رجالًا لا يساومون عليها، وأمَّا الاقتصادية: فكم من مالٍ أُهدر بعيدًا عني وكم من طاقاتٍ ضاعت، ولو وُجّهت نحوي لحررتني دون حرب، وأمَّا القانونيَّة: فأنا أرضٌ محتلة، وشاهدٌ حيٌّ على انتهاك كلِّ القوانين الدوليَّة، فأين العدالة التي تتغنون بها؟ وأين المواثيق التي كتبتموها؟
وفي اليوم الخامس والعشرين، اقترب السجَّان، وقد بدأ القلق يتسلل إليه، السجَّان قال له: لماذا لا تصمت؟ الجدران لا تسمعك. الأقصى مبتسمًا: لكنَّ القلوب تسمع، وأنا لا أُخاطب الجدران بل أوقظ الإنسان.
وفي اليوم الثلاثين، كانت الزنزانة كما هي لكن الصوت تغيَّر؛ أصبح أوسع أعمق كأنَّه خرج من حدود المكان، يا أمَّةً حملت اسمي في صلاتها لا تجعلوني آيةً تُتلى عن الماضي بل قضيةً تُصنع في الحاضر، لا تقولوا: من يُحرِّر الأقصى؟ بل قولوا متى نكون أهلًا لتحريره؟ أنا لا أُحرَّر بالحلم بل بالفعل، ولا أُستعاد بالبكاء بل بالوعي والعمل.. إنَّ سجني اختبارٌ لكم؛ فإمَّا أن تنهضوا، وإمَّا أن يُكتب عليكم أنَّكم الجيل الذي ترك الأقصى وحيدًا.
سكت الصوت لكنَّ صداه بقي ليس في الزنزانة؛ بل في كلِّ قلبٍ سمع ولم يجب بعد.
بالسداد والتوفيق
د. يونس صالح
د. يونس محمد صالح الزلاوي