path

وحدة المرجعية الأوروبية بين الظن واليقين

article title

في زمن تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه الهويات، وتتعاظم فيه التحديات أمام المسلمين في الغرب، يبرز سؤال المرجعية الفقهية بوصفه سؤالًا وجوديًّا لا تنظيريًّا: هل يبقى المسلون في أوروبا رهينة الاجتهادات الفردية المتفرقة، أم تنتظم تحت مظلة علمية جامعة تؤسس لوحدة الكلمة، وتضبط مسار الفتوى، وتراعي خصوصية الواقع الأوروبي؟

لقد مثّل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث منذ تأسيسه محطة مفصلية في مسار العمل الفقهي المؤسسي في أوروبا، إذ جمع نخبة من العلماء والفقهاء والمتخصصين في الشريعة وأصول الفقه، إلى جانب خبراء في الاقتصاد والطب والاجتماع والقانون، ليقدّموا اجتهادًا جماعيًا منضبطًا يراعي النص الشرعي ويستوعب الواقع الأوروبي بتعقيداته القانونية والثقافية.

أولًا: من الظن إلى اليقين التحول في صناعة الفتوى، الاجتهاد الفردي – مهما بلغ صاحبه من علم وورع – يظل معرضًا لقصور الإحاطة، أو ضيق زاوية النظر، أو ضعف إدراك الملابسات القانونية والاجتماعية في السياق الأوروبي. أما الاجتهاد الجماعي المؤسسي، فإنه أقرب إلى اليقين؛ لأنه يقوم على:

تداول الرأي بين المختصين.

استحضار المقاصد الشرعية الكبرى.

دراسة الواقع دراسة ميدانية وقانونية دقيقة.

مراعاة مآلات الأحكام وآثارها على الفرد والمجتمع.

ومن هنا كانت قرارات المجلس تمثل مرجعية جامعة، تُخرج المسلمين من دوامة التضارب، وتمنحهم قدرًا من الاستقرار التشريعي.

ثانيًا: وحدة المرجعية وأثرها في ضبط الشعائر، من أبرز القضايا التي تظهر فيها أهمية وحدة المرجعية: مسألة دخول الأشهر العربية، وعلى رأسها رمضان وشوال وذي الحجة، لما يترتب عليها من:

تحديد بداية الصيام ونهايته.

توحيد يوم عيد الفطر والأضحى.

ضبط مواعيد الزكاة والكفارات.

تنظيم الإجازات والأنشطة في المدارس والمراكز الإسلامية.

التنسيق مع المؤسسات الرسمية الأوروبية فيما يتعلق بالشعائر.

إن اختلاف بدايات الأشهر داخل المدينة الواحدة أو المركز الواحد لا يورث إلا الحرج والاضطراب، ويُضعف صورة المسلمين أمام المجتمع الأوروبي، ويعكس حالة من التشرذم المؤسف.

أما حين تصدر التوجيهات عن مرجعية علمية معتبرة، فإن ذلك يرسخ النظام، ويمنح المؤسسات الإسلامية قوة تفاوضية أكبر مع الجهات الرسمية، ويعزز الثقة داخل المجتمع المسلم.

ثالثًا: الفوائد العظيمة لوحدة المرجعية الفقهية:

.1الاستقرار التشريعي ، وحدة الفتوى تمنح الأسر والمؤسسات وضوحًا في الرؤية، وتُبعدهم عن الحيرة بين أقوال متعارضة، خاصة في القضايا المالية والمعاملات المعاصرة.

.2تعزيز الاندماج الواعي، المرجعية الأوروبية لا تنقل فتاوى بيئات أخرى نقلاً جامدًا، بل تجتهد في ضوء الواقع الأوروبي، مما يساعد المسلم على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه دون تفريط في ثوابته.

3.تقوية العمل المؤسسي، عندما تتوحد الكلمة، يسهل التخطيط المشترك بين المساجد والمدارس والمراكز، وتُبنى المشاريع الكبرى على أرضية فقهية موحدة.

.4حماية الشباب من الفوضى الفكرية، تعدد المرجعيات غير المنضبطة يفتح الباب أمام التيارات المتشددة أو المتساهلة، بينما المرجعية الوسطية الجماعية تمثل صمام أمان يحفظ التوازن.

5.تحسين صورة الإسلام في أوروبا، المجتمع الأوروبي يحترم المؤسسات والتنظيم، وعندما يرى أن للمسلمين مجلسًا علميًا منظمًا يصدر قرارات مدروسة، فإن ذلك يعزز الثقة، ويبدد الصورة النمطية عن العشوائية أو الانقسام.

رابعًا: أضرار غياب التوحد، في المقابل، فإن غياب المرجعية الموحدة يفضي إلى أضرار جسيمة، من أبرزها:

تضارب مواعيد الأعياد داخل الأسرة الواحدة.

تشكيك العامة في مصداقية العلماء.

استغلال الخلاف لإثارة النزاعات الداخلية.

إضعاف التمثيل الإسلامي أمام الحكومات الأوروبية.

إرباك المعاملات المالية المرتبطة بالتقويم الهجري.

تشويه صورة المسلمين في الإعلام المحلي.

والأخطر من ذلك كله: أن يتحول الخلاف الفقهي – وهو في أصله سعة ورحمة – إلى صراع هوياتي أو تنازع تنظيمي يمزق الصف.

خامسًا: بين الظن واليقين مسؤولية المرحلة، إن وحدة المرجعية ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة شرعية ومجتمعية. وهي لا تعني مصادرة الاجتهاد، ولا إلغاء التنوع الفقهي، وإنما تعني تنظيمه داخل إطار مؤسسي معتبر، يُحتكم إليه عند النزاع، ويُرجع إليه في النوازل.

وإذا كان اليقين الكامل في الاجتهاد البشري متعذرًا، فإن أقرب الطرق إليه هو الاجتهاد الجماعي المؤسسي المنضبط، الذي يمثله المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، بما يضمه من خبرات علمية متنوعة، ورؤية مقاصدية واعية، وإدراك عميق لخصوصية المسلمين في أوروبا.

إن مستقبل الوجود الإسلامي في أوروبا مرهون بقدرته على بناء مؤسساته العلمية الجامعة، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي، والانتقال من ردود الأفعال الفردية إلى التخطيط الاستراتيجي المؤسسي.

وحدة المرجعية الفقهية ليست مجرد قرار تنظيمي، بل هي خطوة نحو نضج حضاري، واستقرار ديني، وشراكة مجتمعية متوازنة.

وبين الظن واليقين تبقى وحدة الكلمة أقرب إلى التقوى، وأحفظ للدين، وأصلح للمجتمع.

بالسداد والتوفيق

  • الكلمات الدلالية

د. يونس محمد صالح الزلاوي د. يونس محمد صالح الزلاوي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

ضبط الخطاب في زمن الاستقطاب: رؤية شرعية للحرب على إيران

feather الشيخ سالم الشيخي

محاولة في ترشيد الوعي والسعي

feather د. ونيس المبروك

اقرأ أيضا للإمام

article title

فلسفة الأفضليَّات في الصيام

article title

رمضان وإحياء الضمائر

article title

أنا رمضان.. فمن أنت؟

banner title

مقالات مرتبطة

الشيخ سالم الشيخي

ضبط الخطاب في زمن الاستقطاب: رؤية شرعية للحرب على إيران

د. ونيس المبروك

محاولة في ترشيد الوعي والسعي

د. يونس محمد صالح الزلاوي

فلسفة الأفضليَّات في الصيام