path

خطبة الجمعة |غنيمةُ العابدين

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فقد دخل فصل الشتاء، وشتاء أوروبا له خصوصية إضافية عن الشتاء في البلدان المعتدلة في طقسها؛ حيث يقصُر نهاره جدًّا ويطول ليله جدًّا، وهذا يُيسِّر على المسلم الأوروبي عبادتين وهما: الصيام والقيام، لسهولة الصيام نهارًا حيث يقل الشعور بالجوع والعطش، ويُسْر القيام بالليل لطوله وتأخر وقت الفجر فيسهل على الناس صلاته في وقته، ونحن بحاجة إلى اغتنام الشتاء في الترقي الروحاني والخروج من عالم المادية الذي يحاصرنا في صحونا ونومنا، ونستدرك به ما فاتنا من قصور وتقصير في الصيام والقيام في فصل الصيف؛ حيث يصعب الصيام والقيام لقصر الليل وطول النهار مع حرارة الصيف المعهودة، وقد  كان كثير من أئمة السلف والصحابة يسمون الشتاء ربيع المؤمن، وسماه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: غنيمة العابدين، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: "مَرْحَبًا بِالشِّتَاءِ تَتَنَزَّلُ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَيَطُولُ فِيهِ اللَّيْلُ لِلْقِيَامِ، وَيَقْصُرُ فِيهِ النَّهَارُ لِلصِّيَامِ".

ومما يحسن ويندب اغتنام فصل الشتاء فيه ما يلي:

1. قيامُ ليله: قيام الليل مدرسة تخرج منها الصحابة الكرام والعلماء الربانيون والمصلحون في كل عصر وزمن، والله تعالى أعد أجرًا خفيًا للقائمين بالليل كما أخفوا عملهم عن أعين الناس قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17]، ومن يعرف فضل قيام الليل لا يتركه أبدًا..

فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردةٌ للداءِ عنِ الجسدِ" رواه الترمذي بسند حسن، وروى الطبراني والحاكم في المستدرك بسند حسن عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزِّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ".

ولا يقتصر أثر قيام الليل على الآخرة فقط وإنما يظهر بعضه كذلك في الدنيا؛ قيل للحسن: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟ قال: "لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم من نوره نورا"، وسر فضل قيام الليل، لظهور الإخلاص فيه، وعلو درجة مجاهدة النفس وترك لذة النوم، وفيه التعرض لرحمات الله تعالى وإجابة الدعاء، وفيه تزكية النفس وترقيق القلب وبكاء العين من خشية الله، وفيه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في قيامه مع سبق مغفرة الله له، ومما يعينك على قيام الليل في الشتاء: تبكير النوم، عدم المعصية بالنهار، التدرج في القيام بركعات خفيفات في أول الليل ثم طويلة في آخره، النية الصادقة، مشاركة أهل بيتك معك، استثمار المواسم الربانية كشهر رمضان، والقيام في الحرمين في الحج والعمرة.

2. صيام نهاره: صيام رمضان يشترك فيه كل المسلمين، أما صيام التطوع فهو الذي يرفع درجة المسلم عند ربه ويرتقي به في طريقه إلى الله، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت فضلًا كبيرًا لصيام التطوع منها: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" مَن صامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" البخاري، وحديث سَهلٍ رَضِيَ الله تعالى عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:" إنَّ في الجنَّةِ بابًا يقال له: الريَّانُ، يدخُلُ منه الصَّائِمونَ يومَ القيامةِ، لا يدخُلُ منه أحدٌ غَيرُهم. فيقال: أين الصَّائِمونَ؟ فيقومونَ، لا يدخُلُ منه أحدٌ غَيرُهم، فإذا دخَلُوا أُغلِقَ، فلم يدخُلْ منه أحدٌ" متفق عليه.

وقد بَكَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ، وَقِيَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ، وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ". أي أنه يتأسف لفقده الصيام في الصيف وقيام الليل في الشتاء، ويحسن بنا كمسلمين في أوروبا أن نكثر من الصيام في الشتاء كالاثنين والخميس، أو يوم في الأسبوع، واجتماع الأسرة على الصيام ولو يوم في الشهر مطلوب ومحبوب، ويحسن كذلك بالمساجد أن تشجع الناس على الصيام شتاء بتنظيم إفطار جماعي كلما تيسر ذلك وأمكن.

3. إغاثة أهل الفاقة والعوز: أنعم الله علينا في الغرب بالدفء وتهيئة الحياة في الشتاء للعيش مسكنا ومركبا مهما اشتدت البرودة، ومع إلف تلك النعمة وتكرارها نغفل عن شكرها وننسى من حُرم منها من أهل الفقر والفاقة والعوز حيث يتألمون من شدة البرد، وقلة أو فقد ما يحميهم من البرد وقسوته في مقدمتهم أهلنا في غزة والسودان وغيرهم، والمعتقلين ظلمًا في السجون منذ سنين، ومِن شكر النعمة أن نفيض على غيرنا ممن حُرم تلك النعمة وأن نربي أولادنا على شكر النعمة والشعور بغيرهم ممن فقدها، وأن نسعى للتخفيف عنهم، وقد كتب عُمر رضي الله عنه إلى عُمَّاله ووُلاتِه إذا حضر الشتاء، يقول لهم: "إن الشَّتاءَ قد حضَرَ وهو عدوٌّ لكم، فتأهَّبُوا له أُهبتَه من الصُّوفِ والخِفافِ والجوارِب، واتَّخِذوا الصُّوفَ شِعارًا"، أي: مما يلِي الأجساد، "ودِثارًا"، أي: فوق الملابِس، "فإنَّ البردَ عدوٌّ سريعٌ دخولُه، بعيدٌ خروجُه". فهنيئا لمن أغاث غيره في الشتاء وشكر نعمة الله قولا وفعلًا.

4. التأمل في آيات الله الكونية: المؤمن مأمور بالتدبر في آيات الكون المنظور وأن لا يمر عليه حدث إلا ويأخذ منه عبرة تذكره بالله وتجدد إيمانه، ويستعد بها للقاء الله تعالى؛ فإذا مر بيوم شديد الحر ذكر حر جهنم واستعاذ بالله منها، وإذا مر بيوم شديد البرودة ذكر زمهرير جهنم فاستعاذ بالله منها، والناس لا يعجبها حر الصيف ولا برد الشتاء ويسعون لتبريد بيوتهم ومراكبهم صيفا وتدفئتها شتاء، وهذا يعني وجود النقص في الدنيا والكمال والنعيم والقرار الحقيقي في الجنة قال تعالى في وصف الجنة وأهلها: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 13]..

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا وَقَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ، نَفَسًا فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسًا فِي الصَّيْفِ، فَأَمَّا نَفَسُهَا فِي الشِّتَاءِ فَزَمْهَرِيرٌ، وَأَمَّا نَفَسُهَا فِي الصَّيْفِ فَسَمُومٌ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِم. فَهَذَا الْبَرْدُ الَّذِي يَشْتَدُّ بَعْضُهُ جَعَلَهُ اللَّهُ تَنْبِيهًا لِلْعِبَادِ، وَتَحْذِيرًا لَهُمْ؛ فَشِدَّةُ الْبَرْدِ مَوْعِظَةٌ لِلْعِبَادِ لِاتِّقَاءِ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّمَ كَفَانَا اللَّهُ وإياكم عَذَابَ جَهَنَّمَ، فالبرد المهلك في الشتاء هو نفَسٌ من زمهرير جهنم، والحر المهلك هو نفَسٌ من حرها لنحذرها ونتقيها.

اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم كن للمستضعفين وأهل الفاقة في كل مكان، أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وأدفئهم من برد، واكتبنا في زمرة عبادك الذاكرين الصائمين القائمين، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا. 7 نوفمبر 2025م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

كيف نَجلو الصدأ عن قلوبنا قبل رمضان؟

feather د. خالد حنفي

في رحاب المدرسة الغَزية

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

كيف نَجلو الصدأ عن قلوبنا قبل رمضان؟

article title

في رحاب المدرسة الغَزية

article title

حاجة البشرية للدين

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

كيف نَجلو الصدأ عن قلوبنا قبل رمضان؟

د. خالد حنفي

في رحاب المدرسة الغَزية

الإمام محمد الغزالي

خطبة | شهر له فلسفة