path

كيف نَجلو الصدأ عن قلوبنا قبل رمضان؟

article title

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين وبعد، فهذه الجمعة هي الأخيرة لشهر شعبان في هذا العام، والجمعة القادمة هي الأولى في شهر رمضان بلَّغنا الله إيَّاه وزوَّدنا منه بالتَّقوى، وجعلنا من شهود رحمات وبركات وعفو ليلة القدر؛ فقد أعلن المجلس الأوروبِّي للإفتاء والبحوث أنَّ أوَّل أيَّام شهر رمضان المبارك لهذا العام الخميس القادم الموافق 19 فبراير بحول الله، وعلى المسلمين في ألمانيا أن يتَّبعوا المرجعيَّات الفقهيَّة الأوروبِّيَّة والمحلِّيَّة، وألَّا ينظروا إلى إعلانات بلدانهم الأصليَّة أو دولٍ أخرى؛ امتثالًا للهدي النبويِّ، وجمعًا للكلمة، وتوحيدًا للصفِّ، وتصفيةً للقلوب، وتجنُّبًا لتشويش القلب في رمضان.

وممَّا يجب على المسلم التمركز حوله قبل رمضان وفي رمضان هو إصلاح قلبه ومحو الران والصدأ الذي كساه؛ لتتابع النكات السوداء عليه على مدار العام، ومن وفَّقَه الله إلى تغيير وإصلاح قلبه في رمضان فهو الفائز الحقيقي به؛ لأنَّ القرآن الكريم جعل المقصد الأعظم للصيام هو التحقُّق بالتقوى.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، والتقوى محلُّها القلب، فمن أصلح قلبه وانتقل به من الموت إلى الحياة، والقسوة إلى الرقَّة، ومن الصدأ إلى البياض؛ حُقَّ له أن يفرح في يوم العيد بالجائزة فالقلب هو النافع الوحيد يوم القيامة.. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88-89]، والقلب هو مَلِك الأعضاء وبصلاحه تصلح كلُّها؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ" متَّفقٌ عليه.

 

وهذه جملةٌ من الوصايا والتوجيهات لمحو الصدأ والرَّان من على قلوبنا قبل رمضان وفيه:

1. اختبر حياة قلبك أو موته قبل رمضان: حذَّر اللهُ تعالى في كتابه أصحابَ القلوب القاسية، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الزمر: 22]. وواجبٌ على كلِّ مسلمِ أن يغتنم شهر رمضان لإصلاح قلبه، والخطوة الأولى لإصلاح القلب في رمضان هي معرفة حالته وتصنيفه؛ هل هو قلبٌ حيٌّ أم سليمٌ أم مريضٌ أم قاسٍ أم ميِّت؟ ومِن أهمِّ المؤشرات على سلامة القلب أو اعتلاله: إقباله على الطاعة ونفوره من المعصية، فإذا وجدتَ في نفسك نشاطًا للطاعة وخفَّةً في القيام إليها أو استثقالًا لها وتقليلًا منها، فمرجع ذلك إلى اعتلال القلب وصحَّته، وراقب قلبك عند سماع القرآن، وعند الذِّكر، ثم راقب قلبك بعد المعصية أو التقصير في الطاعة، هل يندم حقًّا ويُسارع إلى كسب حسنات وطاعات ليمحو بها أثر المعصية؟ وتأمَّل حال قلبك مع الدُّنيا وتعلُّقه بها إقبالًا وإدبارًا، وسَلْ نفسك متى ذرفت آخر دمعةٍ من خشية الله؟ فالدَّمعة الخاشعة علامةٌ على حياة القلب، وجفاف العين بالبكاء من خشية الله علامةُ قسوته.

2.   احذر مصائد الشيطان الخفيَّة: ذَكَر الإمامُ ابن القيِّم رحمه الله تعالى سبعَ عقباتٍ ومصائدَ للشيطان يسعى إلى إغواء ابن آدم بها، وهي: الكفر، والبدعة، والكبائر، والصغائر، والتوسُّع في المباحات، واختيار الأعمال المرجوحة، ثم تسليط أحد أعوانه عليه. وأخطر هذه العقبات والمصائد في واقعنا في الغرب: الصغائر، والتوسُّع في المـُباحات، واختيار الأعمال المرجوحة؛ فالمسلم في الغرب دائرة الصغائر أمامه واسعة متكرِّرة في يومه وليلته؛ من نظرةٍ إلى هفوةٍ إلى شُبهةٍ في كسبٍ أو مال، وهذه الصغائر عندما تُضَمُّ إلى بعضها ولا يُتابُ منها تُؤذي القلب، وسمَّاها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مُحَقِّرَاتُ الذُّنُوبِ يَجْتَمِعْنَ عَلَى المـَرْءِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ"..

ثم مصيدة اختيار المرجوح والمفضول على الراجح والفاضل، كتقديم الصلاة في البيوت على الصلاة جماعةً في المسجد، واعتكاف ساعاتٍ قليلةٍ في رمضان بدلًا من اعتكاف العشر الأواخر كاملة، وصلاة الجمعة لإسقاط الفرض استسهالًا وعدم قصد مسجدٍ تتزكَّى فيه نفسك وروحك وقلبك، ثم مصيدة التوسُّع في المباحات؛ فالبيئة في الغرب بيئةٌ مترَفةٌ تتعدَّد فيها ألوان المباحات -ولا نُحرِّم على الناس ما أحلَّ الله- ولكنَّ التوسُّع في المباحات بابٌ ومدخلٌ شيطانيٌّ يُقسِّي القلوب ويُمرضها، ويجب أن يكون المرء على حذرٍ منه؛ كمشاهدة المباريات، والمقاطع القصيرة النافعة المباحة، وسماع الأغاني التي أباحها بعض العلماء، فكلُّ المباحات التوسُّع فيها يضرُّ بالقلب..

ولهذا قال علماء السُّلوك إلى الله: إنَّ أنفع شيءٍ للقلب قِلَّة الطعام، وقِلَّة المنام، وقِلَّة الكلام، وقِلَّة الأنام، وكلُّها مباحات، وحاجتنا للتخفُّف من هذه المباحات في رمضان آكدٌ وأوجب.

3. أَخْرِج الذَّنْبَ من قلبك بتوبةٍ صادقة: نحتاج قبل رمضان إلى توبةٍ صادقةٍ باكية نتمثَّل فيها حال هذا الرجل الذي جاء إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: وَا ذُنُوبَاه وَا ذُنُوبَاه، فقال هذا القوْلَ مرَّتَيْن أو ثلاثًا، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «قُل: اللَّهمَّ مغفرتُك أوسعُ من ذنوبي ورحمتُك أرجَى عندي من عملي". فقالها، ثمَّ قال: عُدْ، فعاد، ثمَّ قال: عُدْ، فعاد، ثمَّ قال: قُمْ، فقد غَفَرَ اللهُ لك». (رواه الحاكم والبيهقي بسندٍ صحيحٍ عن جابر بن عبد الله).

وإنَّك لتشعر في صرخات هذا الرجل "وا ذنوباه" أنَّه يحترق ندمًا وخوفًا من ربِّه، ويطلب دواءً نبويًّا، وما أحوجنا إلى هذا الدواء قبل موسم العلاج الربَّانيِّ لقلوبنا وأرواحنا، ما أحوجنا إلى توبةٍ كتوبة أبي لبابة رضي الله عنه، وساريتُه في الروضة الشريفة بالمسجد النبويِّ معروفة؛ حيث ربط نفسه فيها قائلًا: لا يحلني أحدٌ إلَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل هناك صدقٌ في التوبة وآيةٌ في الندم عليها واقتلاعها من القلب كتوبة هؤلاء الأبرار الصادقين.

4. أَدْمِن الذِّكر واحذرْ مُشتِّتات القلب في رمضان: إذا أردتَ مُجلِيًا لصدأ القلب، ومُبيِّضًا لسواده، ومذيبًا لقسوته، فالذِّكر الدَّائم هو الدَّواء الفعَّال المجرَّب؛ فقد شَكَا رجلٌ للحَسَنِ قسوةَ قلبه، فقال له: أَذِبْهُ بالذِّكْر، وقال ابن القيِّم: "صدأ القلب في أمرين: بالغفلة والذَّنْب، وجلاؤه بشيئين: الاستغفار والذكر". ثم احذر مشتِّتات القلب في رمضان، وقد جمعها التابعيُّ الجليل سيِّدُنا محمَّد بن واسع رضي الله عنه، فقال: "أَرْبَعٌ يُمِتْنَ الْقَلْبَ: الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ، وَكَثْرَةُ مُخالطة النِّسَاءِ وَحَدِيثُهُنَّ، وَمُلَاحَاةُ الْأَحْمَقِ، وَمُجَالَسَةُ الْمَوْتى، قِيلَ: وَمَا مُجَالَسَةُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: مُجَالَسَةُ كُلِّ غَنِيٍّ مُتْرَفٍ وَسُلْطَانٍ جَائِرٍ".

وقد اجتمع أغلبها في الشَّبكات ووسائل التواصل، فلنحذَرْها في رمضان، ولنُدرِّب أنفسنا وأولادنا على الاقتصاد فيها وتقليل الوقت الذي نقضيه عليها، ومجاهدة النَّفْس ألَّا ترى أو تفعل فيها إلَّا ما يُرضيه، ولنعلم أنَّ آثارها ومضارَّها على القلب قسوةً وصدأً ورانًا، فيا سعدَ من جعل من رمضان فرصةً لمحو الصدأ والرَّان من على قلبه، ويا خيبةَ من دخل وخرج منه بصدأ قلبه ورانه. 

اللهمَّ بَلِّغْنَا رمضانَ واكتُبْنا فيه من المقبولين الفائزين، وطهِّرْ قلوبنا ونقِّها من الرَّان والصدأ والغلِّ والحسد، ووحِّد صفوفنا وجنِّبْنا الفرقة والخلاف، وكُنْ لأهلنا وإخواننا في غزَّة وفلسطين وللمستضعفين في كلِّ مكان سندًا ومعينًا ووليًّا ونصيرًا، واختمْ لنا بخاتمة السَّعادة أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 13 يناير 2026م

الأستاذ الدكتور خالد محمد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

في رحاب المدرسة الغَزية

feather د. خالد حنفي

خطبة | شهر له فلسفة

feather الإمام محمد الغزالي

اقرأ أيضا للإمام

article title

في رحاب المدرسة الغَزية

article title

حاجة البشرية للدين

article title

مع الرسول الإنسان في شهر مولده

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

في رحاب المدرسة الغَزية

الإمام محمد الغزالي

خطبة | شهر له فلسفة

د. خالد حنفي

حاجة البشرية للدين