path

جهاد العصر | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فقد شاع قصر مصطلح الجهاد على القتال، وهو فهم خاطئ للجهاد؛ لأن الجهاد هو: بذل الجهد واستفراغ الوسع لنشر الخير ونصرة الحق، وهو مفهوم عام يشمل جهاد النفس والشيطان والأعداء، ويكون باللسان والمال والقلب والنفس، قال تعالى: {فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}[الفرقان:52]، والمقصود جهادهم بالقرآن..

وقصدي بجهاد العصر: بذل الجهد واستفراغ الوسع في تربية الأبناء وحفظ الدين والهوية عليهم، وأنَّ ذلك هو جهاد العصر خاصة في الغرب مع تضاعف التحديات وصعوبة الحفاظ على دين وهوية الأبناء، وقد كانت تربية الأبناء قبل الدخول في عالم الميديا والشبكات والذكاء الاصطناعي أمراً سهلاً ميسوراً وكان دور الأبوين دورًا مكملًا لأدوار المدرسة والمسجد والمجتمع..

أما اليوم فقد تراجعت أو غابت أدوار هذه المؤسسات وظهر أمامنا تحد جديد خطير بل مرعب وهو الهواتف والشاشات بما تحمله من مخاطر فكرية، وتُشكل فكر ووعي ومعرفة أولادنا منذ الصغر على نحو يتلاشى معه دور الآباء في غرس القيم الإسلامية وتعديل السلوكيات الخاطئة لدى الأبناء، وإذا كنا نرى ما فعلت بنا هذه الأدوات نحن الكبار العقلاء الراشدون المحصنون ضد الشبهات والشهوات مقارنة بأبنائنا من إدمان للشاشات وإضاعة للأعمار والأوقات فهي آخر ما نرى قبل النوم وأول ما نرى بعد الاستيقاظ وقبل الصلاة، وإني لأبصر بعضكم في صلاة الجمعة لا يتحمل الصبر على ترك هاتفه 20 دقيقة، فيقلب هاتفه أثناء الخطبة ليُعرِّض جمعته للفساد ونقصان الأجر، فإذا كانت الشاشات قد فعلت ما فعلت بالكبار فماذا عساها أن تفعل بالصغار؟!

وقد اعتَبرتُ تربية الأبناء وسط هذا الركام من تحديات الشاشات والشبكات والتطبيقات جهاد العصر لسببين: أنه أمر لصعوبته يتطلب صبراً وبذلاً للوسع وتحملاً للمشقة، وليعلم المشتغلون بالتربية من آباء وأمهات وأساتذة ودعاة أن رباطهم في ميادين التربية وحفظ الدين والهوية هو من أعلى ألوان الجهاد في عصرنا الذي يضاعف الله عزو جل عليه الأجر والمثوبة؛ فإذا ضاع دين الأجيال الجديدة من أولاد المسلمين في الغرب واندرست هويتهم فما الذي بقي لنا؟!

وهذه إضاءات حول تربية الأبناء في عصر الهواتف والشاشات:

1. استحضار البعد الإيماني في العملية التربوية:

يخطئ من يظن أن الفلاح في تربية أولاده وبلوغ استقامتهم على الدين إنما يكون بذكائه وأخذه بخطة تربوية محكمة في التعامل مع التحديات والمخاطر المهددة للدين والهوية؛ لأن قانون الهداية والاستقامة القرآني: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى}[البقرة:120]، وكم من أولاد استقاموا في بيئات فاسدة وبمناهج تربوية خاطئة! وكم من أولاد انحرفوا في بيئات صالحة في القديم وفي الحديث! فلابد من استحضار البعد الإيماني في العملية التربوية في كل مراحلها وتفاصليها وجزئياتها وذلك باستقامة وصلاح الأبوين أولاً.

قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا}[النساء:9]، وقد كان صلاح الأبوين في مشهدين من مشاهد قصة موسى والخضر سببا في حفظ مال أولادهما بإقامة الجدار بعد موت أبويهما، وسببا في استبدال الغلام الفاسق بغلام صالح؛ قال تعالى: {وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}[الكهف:80] {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}[الكهف:81]. {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا}[الكهف:82]..

فالخطوة الأولى للتحقق الإيماني في العملية التربوية تبدأ من صلاح واستقامة الأبوين، ثم الإلحاح على الله بالدعاء كما هو منهج الأنبياء، فإبراهيم عليه السلام تكرر دعاؤه لأبنائه قال تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين}[الصافات:100]، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام}[إبراهيم:35]، وزكريا عليه السلام {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء}[آل عمران:38].

وقد علمنا رسولنا الكريم أن الدعاء للأبناء يبدأ قبل مجيئهم وعند إقامة العلاقة الزوجية التي ينتج عنها الأبناء، وقال صلى الله عليه وسلم:" ثلاثُ دَعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ، ودعوةُ الصائِمِ، ودعوةُ المسافِرِ" البيهقي وغيره بسند حسن.

وقد روى الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" في ترجمة سليم بن أيوب الرازي ما حكاه سليم عن نفسه: أنه ذهب وهو صغير إلى الملقن (المحفظ) ليحفظه القرآن، فطلب منه أن يقرأ الفاتحة، قال فعجزت لعجمة لساني، فقال لي الملقن: هل لك من أم؟ قلت: نعم. قال فاسألها أن تدعو لك أن يحفظك الله القرآن ويعلمك العلم.. فرجعت إلى أمي فسألتها ذلك.. فدعت لي. فيسر الله تعالى له أن يدخل بغداد فيتعلم العربية ويحفظ القرآن والحديث، ويتفقه على علماء الشافعية في العراق، حتى برز وصار إماما، ثم رجع إلى بلاده فجلس يعلم الناس.

2. القدوة في التعامل مع الشاشات أمام الأبناء:

إنَّ القدوة هي أهم ركائز العملية التربوية الناجحة، وكما أننا نستنكر أن يكون أحد الأبوين مدخناً ثم ينهى أولاده عن التدخين؛ لأنه بذلك قدوة سيئة لهم ويصعب عليهم الانقياد لطلبه فكذلك الأمر بخصوص الهواتف والشاشات، فعندما يراك ولدك مدمنا للشاشات لا تنقطع عنها حتى عند قضاء الحاجة، ويسمع صوت هاتفك عاليا تنتقل فيه من مقطع إلى مقطع، وعندما يراك لا تصغي إليه ولا تحسن التركيز معه في أي حوار جاد بسبب الهاتف، وعندما يراك شارد الذهن مشتت الفكر بسبب الهواتف والتطبيقات لا شك أنه سيصعب عليه بل يستحيل أن يقلل من وقت استعمال الشاشة وهو يراك أمامه على هذا النحو، فابدأ بنفسك وكن قدوة صالحة لولدك، وراقب نفسك مع هاتفك قبل مراقبة ولدك، وجاهد نفسك قبل أن تطالب ولدك بالمجاهدة.

3. الهواتف والشاشات ليست شرًّا محضًا:

فيمكن أن تكون نعمة كبرى سهلت علينا أشياء كثيرة مثل صلة الأرحام، وسرعة الإنجاز، وسهولة التعلم، وحفظ القرآن، وسماع العلماء، فمشكلتنا مع الهواتف والشاشات تأتي من سوء الاستخدام ومن الإسراف في الوقت الذي ننفقه في التصفح ومتابعة ما لا يفيد بل ما ربما نُحصِّل به سيئات تكتب في صحائفنا، خطر الهاتف مع الأبناء يتمثل في أن يصبح مرجعه وصديقه ومربيه ومرشده ومعلمه الذي يرجع إليه في كل شيء ويعرف عنه أي شيء، وأن يأخذه إلى نشر كل خصوصياته للناس فلا يبقى له ما يحتفظ به لنفسه، خطر الهاتف في إفساد العملية التعليمية وخلق جيل متبلد فكريًّا متكاسل عقليًّا عاجز عن إعمال عقله للوصول إلى أي فكرة..

فلماذا يقرأ إذا كان الذكاء الاصطناعي يقرأ ويلخص له، ولماذا يتعلم اللغات إذا كان الهاتف يترجم له، ولماذا يُجهد نفسه في حل الواجبات الدراسية إذا كان الهاتف يحلها له؟ ثم إن الشباب يهملون قضية الخصوصية وتوظيف الصور والمواقع والمعلومات لصالح الشركات المعلنة والمسوقة للمنتجات، عندما تتحكم في الهاتف ولا يتحكم الهاتف فيك، وعندما تأخذ منه بقدر ما تحتاج إليه، وعندما لا تستغني به عن الحوار الممتع المسترسل مع الأسرة فأنت في الطريق الآمن والصحيح.

4. قواعد لتقليل مخاطر وأضرار الشاشات:

من أهم القواعد لترشيد التعامل مع الهواتف والشاشات لتجنب مخاطرها والإفادة من حسناتها ما يلي: تحديد وتقليل ساعات التصفح اليومي، ومنها: المجاهدة في تأخير إعطاء الصغار الهاتف قدر الإمكان فهناك دول كثيرة منعت ذلك وهناك من لا يعطي أولاده الهاتف قبل 15 عاما..

ومنها: منع الهواتف على مائدة الطعام واستبداله بالحوار الأسري، ومنها: منعه في غرفة النوم، ومنها: اختيار يوم في الأسبوع للانقطاع التام عن الهاتف والبقاء فقط في دائرة الحوار الأسري، ومنها: شغل الأبناء ببرامج وأعمال تغنيهم عن استعمال الهواتف، ومنها: المراقبة الرشيدة الحكيمة لما يشاهدون ويسمعون بتوازن لا يفقدهم الثقة ويشعرهم بالأمان وتوجيههم بحكمة وتلطف عند رؤية أو وجود الخطأ، ومنها: منع استعمال الهاتف أثناء الدراسة إلا لضرورة، ومنها: لا تواصل مع الغرباء أو تثبيت لتطبيقات جديدة إلا بعلم الأبوين ودرب نفسك أن تقول لا لنفسك وأصدقائك خاصة في إرسال الفيديوهات والصور الخاصة بك، ومنها: أخبر أبويك إذا أخطأت خيرٌ من أن تخفي عنهم خوفا منهم وهم سيكونون عونا لك على تجاوز الخطأ قبل لومك أو حرمانك.

اللهم أصلح أحوالنا، وأصلح أولادنا، واجعلهم هداة مهتدين، صالحين مصلحين، وأصنعهم على عينك واجعلهم من جندك المفلحين الصادقين، اللهم رد من شرد من أولاد المسلمين إلى دينك ردا جميلا، ولا تقطع كلمة التوحيد من نسلنا، وكن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وفي كل مكان سندا ومعينا ووليا ونصيرا، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 14 أغسطس 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

article title

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

article title

سلمان الفارسي .. الباحث عن الحق العامل للدين | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

أثر الصحبة على الاستقامة | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

سلمان الفارسي .. الباحث عن الحق العامل للدين | خطبة الجمعة