الصحبة الصالحة سبيل لحفظ الدين في الغرب | خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فقد تضاعف الخطر على الدين والتدين في عالم اليوم خاصة في الغرب مع خصوصية البيئة، وتجدد وتضاعف تحدياتها المؤثرة والمهددة للدين حفظا وبقاء..
ويتجدد السؤال: كيف السبيل لحفظ الدين والتدين في الغرب؟
ومن أهم وسائل وعوامل حفظ الدين والتدين في الغرب: الصحبة الصالحة؛ فيصعب على المرء أن ينجو بأولاده في الغرب دون صحبة صالحة تعينهم على الاستمساك بالدين والاعتصام بحبل الله، وإني لأعلم من غيَّر مدينته التي يعيش فيها وتحمَّل في سبيل ذلك ما تحمل من تبعات مالية، وفقدان لكسب أفضل وعمل مستقر؛ لأن أولاده بلغوا مرحلة عمرية لا يجدون فيها صحبة تعينهم على الدين، فانتقل إلى مدينة بها مسجد وبيئة إسلامية يسعه أن يجد لأولاده فيها صحبة صالحة.
وإني لأعلم أيضًا من كان انتقاله العكسي من أوروبا إلى بلد ذي أكثرية مسلمة فراراً بالدين وطلباً للسلامة والنجاة بأولاده فلم يفلح في ذلك، على الرغم من أن مؤسسات ووسائل حفظ الدين هناك كانت أفضل وأكمل، ولكنَّ أولاده فقدوا الصحبة الصالحة في أوروبا فتراجع التزامهم الديني، وتعرضوا لاضطرابات نفسية مع فقد الصحبة وتعذر تعويضها وكان من حكمته أن عاد بأولاده إلى مستقره الأول؛ لأنه رأى الأثر الإيجابي للصحبة الصالحة على دين أولاده وسلامهم النفسي وأن المحاضن التربوية في الخيار الآخر لم تعوضهم عن إيجابيات ومزايا الصحبة الصالحة، ولهذا فإن من أوجب الواجبات على المسلم الذي يعيش في الغرب أن يرقب وجود هذه الصحبة المناسبة لعمر أولاده قبل أن يتزوج وينجب ويستقر في أي مدينة أو بلد.
وكم جاءني من شاب صالح متهمم بأمر صاحبه الذي انحرف بعد استقامة، أو ضل بعد هداية ماذا يفعل لاستنقاذه وردّه إلى الطريق؟!
والشباب المسلم في الغرب حاجته إلى الصحبة الصالحة ليست كحاجة غيره؛ لأن طوفان التحديات والضغط على الدين فوق طاقته، ولأنه فاقد للمعينات الأخرى على الالتزام الديني لطبيعة منظومة الحياة في الغرب تعليما ودراسة، وعملا ووظيفة، واستقراراً وأسرة، وعندما أُسأل عن سفر البنات للدراسة بعيداً عن الأسرة أضع ضابطاً مهما للإباحة وهو: وجود الصحبة الصالحة والبيئة المعينة على الالتزام الديني لهذه الفتاة، وأن لا تكون في مدينة أو جامعة لا مسجد فيها أو بنات مسلمات تستعين بعد الله بهن على مشاق الطريق.
فكل مسلم مسؤول عن استنقاذ أولاده من النار قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون}[التحريم:6]، وقال صلى الله عليه وسلم:" كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم" متفق عليه من حديث عبدالله بن عمر..
ويدل على أهمية البيئة التي يظن بها وجود الصحبة الصالحة حديث قاتل المئة نفس؛ فعن أبي سعيد سعد الخدْرِي رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كان فيمن كان قبلكم رجل قَتَلَ تِسْعةً وتِسْعين نفسًا، فسأَل عن أَعلمِ أهلِ الأرضِ، فدُلَّ على راهِبٍ فأتاه، فقال: إنه قَتَل تِسعةً وتسعِينَ نَفْسًا، فَهلْ له مِنْ توْبَةٍ؟ فقال: لا، فقتلَهُ فكمَّلَ بِهِ مئةً، ثمَّ سأل عن أعلم أهلِ الأرضِ، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فقال: إنه قتل مئةَ نفسٍ، فهل له من تَوْبة؟ فقالَ: نعم، ومنْ يحُول بيْنه وبيْنَ التوْبة؟ انْطَلِقْ إِلَى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أُناسًا يعْبدون الله تعالى فاعْبُدِ الله معهم، ولا ترجعْ إِلى أَرْضِكَ؛ فإِنها أرضُ سُوءٍ" متفق عليه.
وهذه أضواء على الصحبة وأثرها على الدين في القرآن الكريم:
1. الاقتداء بالأنبياء في طلب الصحبة:
في سورة الكهف وفي قصة من قصصها قصة موسى والخضر، فموسى عليه السلام نبي كريم من أولي العزم ومع ذلك طلب الصحبة للتعلم قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}[الكهف:66]، كما طلب أبو بكر رضي الله عنه صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ الله أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة قالت عائشة: فوالله ما شعَرْتُ قطُّ قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيتُ أبا بكر يومئذ يبكي" رواه البخاري، وفيه ما يدل على أهمية وضرورة اتخاذ الصحبة الصالحة المعينة على الطريق مهما بلغت درجة علمك واستقامتك، ومهما قلَّت التحديات والضغوط على التزامك الديني، وهل هناك من هو أحوج إلى الصحبة الصالحة من شبابنا وأولادنا في الغرب؟!
2. الصاحب الداعية المؤثر:
يحدثنا القرآن الكريم عن صحبة سيدنا يوسف عليه السلام لاثنين ممن دخلوا معه السجن فلم ينشغل بهمِّه وحبسه ظلما عن دعوتهما وإرشادهما إلى التوحيد قال تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار}[يوسف:39]، {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون}[يوسف:40]، وقد أحسن التأتي لهما ودعوتهما بأبلغ وأفضل طرق الدعوة فبرهن لهما على صدقه ونبوته قائلاً: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون}[يوسف:37]، وهذه رسالة مهمة لشبابنا وبناتنا في الغرب أن يكونوا قدوة صالحة لزملائهم من غير المسلمين في الدراسة والعمل، وأن يبذلوا جهدهم لهدايتهم ودعوتهم إلى الإسلام بالحكمة وأبلغ السبل، وأن يكونوا مؤثرين لا متأثرين، قدوة لا فتنة، وهذا لا يكون إلا بالعلم والحكمة وطلب التوفيق من الله عزوجل.
3. حث القرآن الكريم على صحبة الأخيار الذاكرين والتحذير من صحبة الغافلين:
قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}[الكهف:28] أمر الله تعالى رسوله الكريم بملازمة المؤمنين الصادقين، وحذر من الانصراف عنهم إلى صحبة أهل الدنيا المنشغلين بها الغافلين عن ذكره، ونهاه عن طاعتهم، في الآية تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، فليرقب كل واحد منا صحبة أولاده، وهل لزم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي أم الذين اتبعوا هواهم وغفلت قلوبهم عن ذكره سبحانه وبحمده؟ وهل هو قدوة لأولاده فيمن يرون من أصحابه الذين يغشون مجلسه وبيته؟
4. استدامة الصحبة في الجنة:
قال تعالى: {الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِين}[الزخرف:67]، {يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُون}[الزخرف:68]، {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِين}[الزخرف:69]، {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُون}[الزخرف:70] وصف اللّه سبحانه وتعالى الأصدقاء بأنّهم كلهم أعداء لبعضهم يوم القيامة، واستثنى اللّه المتقين وذلك لأنّه لم يجمعهم على الصحبة إلا حب اللّه عز وجل والصدق في طلب اللّه ليست المصلحة أو المال أو المعصية التي جمعتهم كما جمعت غيرهم من الأصحاب، ولهذا كان الأصحاب الصالحون المتقون لله في الدنيا أصحاب في الجنة، فكلما أحسستَ بمتعة في صحبة من لا يذكرك بالله ويلبي رغباتك وشهواتك أيها الشاب فتذكر أن تلك الصحبة ستحرمك من الجنة وبما هوت بك مع صاحبك إلى النار فكن على حذر ودبر لآخرتك.
5. شفاعة الصحبة:
قال تعالى: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِين}[الشعراء:100]، {وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيم}[الشعراء:101]، هذه الآية تدل على أن المؤمن يشفع لصاحبه يوم القيامة؛ قال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع، ويشرح هذا المعنى هذا الحديث العجيب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خلَصَ المؤمنونَ منَ النَّارِ فأمِنوا فما مجادَلةُ أحدِكم لصاحبِه في الحقِّ يَكونُ لهُ في الدُّنيا بأشدَّ من مجادلةِ المؤمنينَ لربِّهم في إخوانِهمُ الَّذينَ أدخلوا النَّارَ قال يقولونَ ربَّنا إخوانُنا كانوا يصلُّونَ معنا ويصومونَ معنا ويحجُّونَ معنا فأدخلتَهمُ النَّارَ فيقولُ اذهَبوا فأخرِجوا من قد عرَفتُم فيأتونَهم فيعرفوهم بصورتِهم لا تأكلُ النَّارُ صُوَرَهم" النسائي وابن ماجة وابن خزيمة بسند صحيح. فابحث عن صديق يشفع لك ويكون صاحبك في الجنة أو يسعى لاستنقاذك من النار.
أيها الأخوة.. تابعنا جميعًا بحزن وقلق الحادث المأساوي الإرهابي الشنيع الذي وقع في برلين السبت الماضي والذي خلف قتيلا و29 جريحا، والحدث مرفوضٌ ومدانٌ عقلاً وفطرةً وشرعاً ولا يمكن أن يُنسب الإرهاب والعنف لدين من الأديان، ولا يمكن أن يُؤخذ المسلمون في ألمانيا بجريرة شخص متطرف نُسب زوراً إلى الإسلام، نحن جميعاً شركاء في سفينة الوطن ومسؤولون جبناً إلى جنب عن أمنها واستقرارها وسلامتها..
وندعو الله أن يصبر أهل القتيل وأن يعجل بالشفاء للجرحى والمصابين، وأن يجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يفرج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وكل مكان، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 31 يوليو 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- الصحبة الصالحة
- الغرب
- تربية الأبناء
- التربية
د. خالد حنفي