معركة الوعي وتصحيح المفاهيم | خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فقد خرجت المنتخبات العربية بهزيمة في مباريات كأس العالم التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، والعجيب أنها على الرغم من هزيمتها فإنها ملأت الدنيا احتفالًا بالفوز والنصر، وانهالت المكافآت والهدايا المليونية على اللاعبين في دول تعاني أشد المعاناة من الفقر والتراجع في التعليم والصحة والاقتصاد، وتعيش خللا أولوياتيا في الصرف والإنفاق، حالة من السفه والخدر والانتشاء بالهزيمة وكأنَّ هذه الشعوب لم تكن لتحلم أن تصل لهذه المرتبة من المنافسة؛ فلما وصلت إليها على الرغم من الهزيمة شعرت أنَّها حققت نصرًا فريدًا تستحق الاحتفال به والصخب لأجله ومكافأة من أحرزوه وجلبوه لبلدانهم من اللاعبين..
المفارقة والتناقض ليست هنا؛ وإنما في الفرح المبالغ فيه بالهزيمة أو الوصول إلى درجة ما باللهو وعدم وجود حزن مماثل للهزيمة الحضارية في شتى الميادين العلمية والاقتصادية والصحية، فلا حرج على هذه الشعوب المنتسبة إلى دين الإسلام أن ترسب في معركة الحضارة وأن تُصبح في ذيل الأمم ما دامت قد حقَّقت نصرًا جزئيًّا أو فوزًا في لعبة يُحبُّها الناس تُسحر عقولهم وأبصارهم وهي الكرة المستديرة، فقَدَّست الأُمُّةُ أرجُلَ اللاعبين أكثر ممَّا قدَّرت عقول العلماء والمفكرين، فكانت النتيجة هي هذا الواقع المرير الذي نحياه الآن..
ولا أدري كيف كانت ستكون الصورة والحال لو فازت إحدى الدول العربية حقًّا بكأس العالم وعادت إلى شعوبها به؟ كم كانت ستخدَّرُ به عن حلم النهوض والإقلاع الحضاري وتغيير حالها لتكون أمة لها شأن وقدر بين الأمم؟!
إنَّ المعركة الحقيقية هي معركة الوعي وإيقاظ الشعوب من غفلتها وتصحيح المفاهيم لديها حيث تبدَّلت وتغيَّرت بل وانطمست، وصارت الأجيال تعيش حالة من الغيبوبة الفكريَّة المؤلمة حين ترى الإنجاز الحقيقي للاعب أو لبلده أن يُدخل قطعة جلدية منتفخة في مرمي خصمه حتى وإنْ أَدخل عدوه في مرماه الحضاري والتعليمي والاقتصادي ألف هدف!!
وأوَدُّ في هذه الدقائق أنْ أُوقظ الوعي وأصحح جملة من المفاهيم التي اختلطت وزُيِّفت وبُدِّلت عند الناس بفعل المصطلحات المستعملة في هذه المباريات وغيرها دون أدني تأمُّلٍ في دلالتاها ومعانيها عند الناس، ومن هذه المفاهيم:
1. مفهوم الفوز:
يستعمل مصطلح الفوز في عالم الكرة المستديرة لوصف الفريق الذي أحرز أهدافا أكثر ضد خصمه، ويوصف خصمه بالخاسر، فما هو مفهوم الفوز في التصور الإسلامي؟ إن القرآن الكريم يضع مفهوما مختلفا للفوز وهو العمل الصالح في الدنيا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِير}[البروج:11]، أو الفوز بالزحزحة عن النار إلى الجنة قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور}[آل عمران:185]، أو أن الفائزين هم أولئك الذين وفوا ببيعتهم لله وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيله، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التوبة:111]..
هذا هو الفوز الحقيقي بمعيار القرآن ولهذا قال عدد من الصحابة الكرام فزت ورب الكعبة في مواطن التضحية للدين كسيدنا حرام بن ملحان الذي كان مع سبعين من القراء الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعليم الناس القرآن فقتلوهم وأتي رجل لسيدنا حرام خال سيدنا أنس من الخلف فطعنه برمح حتى أنفذه فقال: فزت ورب الكعبة، فالفوز الذي يجب أن يفهمه المسلم ويعمل له بميزان ومعيار القرآن يختلف عن الفوز بهز شباك الخصم بالكرة، والكارثة حين تختل المعايير والموازين في عقول وتصورات شبابنا وأولادنا!!
2. مفهوم البطولة:
استُعمل كثيرًا مصطلح البطولة في هذه المباريات فسُمِّي العائدون بالهزيمة لأنهم فازوا في بعض المراحل بالأبطال واستقبلوا استقبال الفاتحين، ويُطلق على الدوريات الرياضية الكبرى البطولات، وعلى اللاعب الذي يُحرز أهدافًا كثيرة بطلًا، ولكن البطولة والبطل في التصوُّر الإسلامي ليس كذلك؛ فالبطل هو الشجاع الذي لا تَبْطُل نجدته لغيره، ويُبطِل بسيفه كلَّ ما يضربه به، ويَبْطُل عنده أي يعجز أمامه أعداؤه، والبطولة في الإسلام تقوم على إبطال المسلم للباطل وإحقاقه للحق في نفسه أولًا، وبقدر ثبات المسلم على الحق والمبدأ تكون بطولته..
وتأمل مثلًا بطولة سيدنا عمرو بن الجموح رضي الله عنه الذي كان رجلًا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلمَّا كان يوم أحد أرادوا حبسه خوفًا عليه، وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فقتل يوم أحد، وتأمل بطولة مؤمن آل فرعون وزوجة فرعون، والبطولات التي خلَّدها القرآن والتاريخ في شتى الميادين وليس في ميادين اللهو واللعب وهز شباك الخصوم.
3. مفهوم القيمة:
المجتمع الذي يتابع المباريات وأثمان اللاعبين والمدربين ورواتبهم تختل عنده الموازين ويُقيم الإنسان بشهرته وماله وتنتقل هذه المعايير إلى الزواج والعلاقات الاجتماعية، فقد يُسخر من عالم صالح لأنه فقير بالنظر إلى ممثل أو لاعب أو راقص أو مشهور، ويُقدَّر ويُصدَّر المجالس ذاك المشهور الجاهل الذي لا يفيد المجتمع ولا البشرية بشىء سوى بترسيخ الجهل وإهدار القيم وربما بمحاربة الدين والتدين، وإني لأتساءل ما الذي يعود على البشرية وعلى الحضارة وعلى بلد استطاع فريقه الحصول على كأس العالم؟ مقابل الذي يعود على بلد تحصد الجوائز والمراكز في العلم والبحث والتطور في شتى الميادين؟
لقد أصبح اللاعبون والممثلون ومشاهير الميديا هم رموز المجتمع والقدوة للشباب بكل أسف نتيجة انسحاق القيم وانعدام المعايير. إن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلفت نظر الصحابة إلى أهمية التمركز حول القيمة لا الصورة وحول المعنى لا الشكل، رغم أن الصحابة كانت أمنياتهم مشروعة وفي اتجاه الآخرة؛ فقد جلس عمر رضي الله عنه إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندرى ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله. إنها أمنية خبير بما تقوم عليه الحضارات وتنهض به الأمم، على قامات الرجال الأقوياء الصالحين لا على أقدام وركلات اللاعبين.
4. مفهوم الانتماء:
تكرِّس الكرة والمباريات الكبرى الانتماء لشعار فريق على قميص، أو الانتماء لوطن الفريق وقصر صورة الانتماء للوطن على تشجيع منتخبه والفوز بفوزه والحزن لخسارته، وربما تطور أمر الانتماء للفرق والتعصب لها إلى اعتباره قضية ولاء وبراء، والإسلام لا يرفض مبدأ الانتماء للأوطان وحبها والدفاع عنها فهو أمر فطري مركوز في البشر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما أُكره على الخروج من مكة: "إنك لأحب بلاد الله إلى ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".
ولكنَّ اعتبار تشجيع الفريق الوطني مع الإسراف والتبذير في الإنفاق عليه هو معيار الانتماء الوحيد للوطن هو تفكير قاصر ومغلوط، والأخطر إشكالا منه هو غياب أو ضعف الانتماء للدين واللغة والأمة في ظل ظهور الانتماء للفرق الرياضية على ضعفها وتوقع عدم قدرتها على تحقيق مركز عالمي مرموق، فالإسلام لا يلغي الانتماءات بل يرتبها ويقدم الانتماء للدين والأمة على الانتماءات الأخرى، والانتماءات تتعدد فيمكن أن ينتمي الإنسان لوطنين ولغتين وقارتين، المهم الترتيب والقيام بحق الانتماء من عمل ومسؤولية ونصرة وإغاثة.
اللهم ارزقنا العلم والفهم والحكمة والعمل، وأيدنا بروح من عندك، وفرج الهم عن أهلنا وإخواننا في غزة وفي كل مكان، وأخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 17 يوليو 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- الوعي
- تصحيح المفاهيم
د. خالد حنفي