path

أعمال الخواتيم | خطبة الجمعة

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فهذه الجمعة هي الأخيرة من شهر رمضان المبارك فحسب إعلان المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث سيكون عيد الفطر المبارك إن شاء الله يوم الجمعة القادمة وآخر أيام شهر رمضان المبارك يوم الخميس القادم، ويُتوقع عدم وقوع اختلاف في يوم العيد حتى بحق من بدأ الصيام الأربعاء؛ لاستحالة رؤية الهلال الأربعاء، فنحن إذًا في خواتيم الشهر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالخواتيم" (البخاري عن سهل بن سعد الساعدي)؛ فالأيام الباقيات في العشر الأواخر معدودة، ولياليها الوترية ثلاث ليال فقط وقد تكون فيهن ليلة القدر خاصة ليلة السابع والعشرين من رمضان التي توافق يوم الاثنين القادم وتبدأ من غروب شمسه إلى شروق شمس الثلاثاء، وقد رجح كثير من العلماء أن ليلة 27 أرجى الليالي أن تكون ليلة القدر؛ فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: "ليلة سبع وعشرين" (البيهقي وأبو داود وابن حبان بسند صحيح)، وعن ابنِ عباسٍ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال: «يا رسولَ اللهِ إني شيخٌ كبيرٌ عليلٌ يشقُّ عليَّ القيامُ، فمُرْنِي بليلةٍ لعلَّ اللهَ يُوفِّقُني فيها لليلةِ القدرِ، فقال: "عليك بالسابعةِ"». (أحمد والطبراني والبيهقي بسند صحيح)،  وقد كان أُبي بن كعب رضي الله عنه يقول: "وَاللَّهِ الذي لا إلَهَ إلَّا هُوَ، إنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ ما يَسْتَثْنِي، وَوَاللَّهِ إنِّي لأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هي، هي اللَّيْلَةُ الَّتي أَمَرَنَا بهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بقِيَامِهَا، هي لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ في صَبِيحَةِ يَومِهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا" (مسلم).

 وهذه الليلة لا شبيه لها بين الليالي ومن يصيبها ينال فيها من الأجر ما لا يناله في عمره كله، لأنه لا يوجد من يعبد ربه 83 سنة، ومن يوفقه الله لقيام ليلة القدر يتضاعف عمره عابدا لله ألوفا من السنوات حتى إنك لتشعر أنك قد امتلأت بالحياة، وهي ليلة الأُنس بالملائكة، وليلة كتابة مقادير وأحداث السنة، وليلة إجابة الدعاء فهل يُقبل عقلًا وشرعًا أن نُضيع ليلة كهذه؟! إنَّ من يفرط في الاجتهاد لإدراكها فيما تبقى من رمضان يصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هذا الشهرَ قدْ حضَرَكُمْ، وَفيهِ ليلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شهْرٍ، مَنْ حُرِمَها فَقَدْ حُرِمَ الخيرَ كُلَّهُ، ولَا يُحْرَمُ خيرَها إلَّا محرومٌ". (ابن ماجه والطبراني بسند صحيح)..

وهذه أهم الأعمال المطلوبة من المسلم في خواتيم العشر الأواخر من رمضان وفي ليلة السابع والعشرين:

1. تحري ليلة القدر: المقصود بتحري ليلة القدر بذل الجهد والاجتهاد بالبحث عنها في العشر الأواخر وفي الليالي الوترية منه لقيامها والدعاء فيها، واستمرار البحث والتحري عنها حتى الدقائق الأخيرة من شهر رمضان فلا أحد يدري متى يكتب اسمه في سجل العتقاء، واقتصار بعض المسلمين في تحري ليلة القدر على ليلة واحدة والكسل والنوم بعدها، أو البحث عن علاماتها في ليلة بعينها فإذا وجدها ترك قيام بقية الليالي يخالف الهدي النبوي ويضاد تعظيم الليلة وما تحقق للعبد من تلذذ بالعبادة في رمضان، فقد تحرى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة القدر وبحث عنها في رمضان كله فاعتكف العشر الأول، ثم الأواسط حتى جاءه جبريل وأخبره أنها في العشر الأواخر فاعتكفها وأمر الصحابة بالعودة إلى الاعتكاف لتحريها، والتحري فيه معنى المجاهدة والاستمرارية والتسابق وتعظيم قدر الليلة المباركة التي عظمها الله تعالى، والذي أفهمه والله أعلم من تعدد الأحاديث الواردة في تعيين ليلة القدر هو إبقاء المسلم في حالة اجتهاد وعبادة دائمة في العشر الأواخر حتى ينتهي الشهر، فكلما ظن أنه بلغ ليلة القدر وجد توجيها نبويا أنها في ليلة أخرى فواصل الاجتهاد والتحري فخرج من ذلك بالاجتهاد في كل الليالي وذاق حلاوة العبادة فسهل عليه المداومة عليها بعد رمضان، ورفع التعيين لليلة القدر مراده توسيع دائرة البحث والتحري واستمرار العبادة طوال العشر وهو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم تعليلا لرفعها: "وعسى أن يكون خيرًا لكم".

 

2. تجنب الخصومة والملاحاة: عن عُبادةَ بن الصَّامتِ قال: خرَج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ليُخبِرَنا بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى رجُلانِ من المسلمين، فقال: خرجتُ لأُخبِرَكم بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ؛ فرُفِعتْ! وعسى أنْ يكونَ خيرًا لكم؛ فالْتمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ" متفق عليه. فانظر كيف كانت ملاحاة وخصومة شخصين سببا في حرمان الأمة كلها من تعيين ليلة القدر، فتخلصوا من الخصومات وتعافوا فيما بينكم قبل ختام الشهر، فمن أراد أن يشمله الله بعفوه في ليلة القدر فليعف عن الخلق وليطلب الأجر والمثوبة من ربه، ولئن فوتنا فرصة التغافر والتسامح ليلة النصف من شعبان فلا نفوتها قبل ليلة القدر.

3. الدعاء والمناجاة: عبادة الوقت في ليلة القدر هي الدعاء فقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةِ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: "اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي" أحمد والترمذي وابن ماجة والنسائي بسند صحيح. فهي تعلم أن أفضل عبادة هي الدعاء وتسأل عن أفضل الأدعية والنبي صلى الله عليه وسلم يقرها على ذلك ويدلها على سؤال الله العفو، ولهذا كان الفقيه الثقة سفيان الثوري يقول: الدعاء في تلك الليلة أحب إلى من الصلاة، وجماع الخير في تلك الليلة أن تصلي صلاة طويلة فتجمع بين قيام الليل وتلاوة القرآن والدعاء في سجودك. ومن فقه الدعاء: استشعار الافتقار إلى الله والاضطرار إلى إجابته، وعدم قصر الدعاء على الطلب وإنما العبودية والمناجاة والثناء على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتعظيم الطلب، والتوازن بين حاجات الدنيا والآخرة، ولهذا كان من أحب الأدعية وأكثرها تكرارا هذا الدعاء القرآني المتوازن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].

4. قيام الليل: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" متفق عليه، وقيام الليل في العشر الأواخر وفي ليلة القدر منه يجب أن يكون مختلفا عن قيام غيره من الليالي الأخرى طولًا وخشوعًا وخضوعًا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر أحيا ليله يعني كله، فلنبذل جهدنا أن يكون قيامنا في الليالي الباقية أكثر من غيرها سواء ما كان منه مع الإمام أو ما كان فرديا، والله تعالى جعل أجر القائمين مخفيا لعِظَمه ولأنهم أخفوا عملهم عن أعين الخلق فأخفى الله مكافأتهم جزاءً من جنس العمل قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 16-17].

اللهم بلغنا ليلة القدر ولا تحرمنا أجرها وبركتها وعفوها وأكتبنا فيها من العتقاء الفائزين، وفرج الكرب عن أمة حبيبك صلى الله عليه وسلم، وأنج المستضعفين من المؤمنين وعليك بالملأ من الظالمين، والحمد لله رب العالمين.  

  

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 13 فبراير 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

حاجةُ المسلم المعاصر للاعتكاف والخلوة | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

صحبةُ القرآن في رمضان | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

حاجةُ المسلم المعاصر للاعتكاف والخلوة | خطبة الجمعة

article title

صحبةُ القرآن في رمضان | خطبة الجمعة

article title

رسائل رمضان للمسلمين في الغرب

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

حاجةُ المسلم المعاصر للاعتكاف والخلوة | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

صحبةُ القرآن في رمضان | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

رسائل رمضان للمسلمين في الغرب