ضبط الخطاب في زمن الاستقطاب: رؤية شرعية للحرب على إيران

تشهد الساحة الإسلاميَّة السنِّيَّة حالةً من الانقسام الحادِّ بين العلماء والمفكرين والنخب السياسيَّة حول الموقف من الحرب والاعتداء على إيران، وقد تباينت المواقف بين من يراها عدوانًا يجب إدانته ورفضه لما يحمله من أخطار جسيمة على مستقبل شعوب المنطقة، وبين من يرى أنَّ السياسات الإيرانيَّة التوسُّعيَّة -دينيًّا وسياسيًّا- في المنطقة، وما نتج عنها من حقن جسد الأمَّة الإسلاميَّة بطائفيَّة بغيضة، وما تبعها من مشاركة في جرائم القتل والفساد القائمة على البعد الطائفي في العراق وسوريا واليمن ولبنان، قد تسبَّبت في مظالم كبيرة ومقاتل فظيعة وأزمات عميقة داخل مكوِّن أهل السنة والجماعة، وهو ما جعل كثيرًا من أبناء الأمَّة يرون أنَّ ما حلَّ بها من الظلم الأمريكي والإسرائيلي إنَّما هو جزاءً وفاقًا وسنَّةً إلهيَّةً تلحق بكلِّ ظالم جبار.
غير أنَّ جوهر الخلاف بين مكوّنات أهل السنة –في ميزان النظر الشرعي– ليس صراعَ ولاءاتٍ ولا امتحانَ انتماءات، وإنما هو خلافٌ في تقديرٍ سياسيٍّ تحكمه قواعد فقه المصالح والمفاسد، واستحضارُ المآلات والعواقب، ومدخل ذلك عبر الآتي:
أولًا: التقييم في أصله سياسي اجتهادي
الأصل في مثل هذه القضايا أنَّ التقييم سياسيٌّ اجتهادي، والسياسة الشرعيّة مبناها على النظر في المصلحة والمفسدة، وترتيب الأولويّات، وتقدير النتائج المتوقعة.
فمن رأى أنَّ الحرب ستفضي إلى تمكين المشروع الصهيوني في المنطقة، وإلى فوضى أوسع ودمارٍ أشد على الشعوب المسلمة، فهو ينطلق من اعتبارٍ معتبر في باب دفع المفاسد الكبرى في مقابل المفاسد الصغرى.
ومن رأى أنَّ في إضعاف المشروع الإيراني تقليلًا لمفاسد قائمة أو كبحًا لتمدُّدٍ طائفيٍّ ضار، فهو كذلك ينطلق من تقديرٍ سياسيٍّ للمشهد.
والاختلاف في تقدير هذه المصالح والمفاسد اختلافٌ معتبر شرعًا، ما دام منضبطًا بأصول الشرع، بعيدًا عن التحريض والتخوين، وعن نقل الخلاف من دائرة الاجتهاد السياسي إلى دائرة الولاء والبراء الديني.
ثانيًا: التفريق بين المشروع الديني والمشروع السياسي لإيران
من المهم في تحليل المسألة التمييز بين بُعدين متداخلين في التجربة الإيرانيَّة:
1- المشروع الديني للدولة الإيرانيَّة
وهو المشروع الذي يرتبط بالهويّة الشيعيّة الرسميّة للدولة، ولا يشكّ أحد في أنّ هذا المشروع الديني –على ما فيه من طائفية بغيضة وفساد كبير على مستوى الاعتقاد والاتباع– سعى إلى نشر توجهه وتغيير الجغرافية الدينيَّة لأهل السنَّة والجماعة في عدد من البلدان الإسلاميَّة، ممَّا أسهم في تعميق التحارب الطائفي في دول مثل: العراق وسوريا واليمن ولبنان، وتسبب في جرائم طائفيَّة تشيب لها الولدان، وترك آثارًا ومظالم اجتماعيَّة وديمغرافيَّة لا تزال تقطر دمًا إلى وقتنا هذا.
وعليه، فإنَّ هذا البعد الديني في التقييم يجعل الدولة مسؤولة عن إحياء انقسامات مذهبيَّة أضعفت وحدة المجتمعات الإسلاميَّة، وأضرَّت كثيرًا بكلِّ الشعارات التي رفعتها الدولة منذ الثورة الإيرانيَّة إلى يومنا هذا.
والخلاصة أنَّ جمهور النخب السنِّيِّة ليس بينها خلاف في حجم الضرر الذي أحدثه المشروع الديني الإيراني في المنطقة، وأنَّ إيران قد أجرمت في حق الأمَّة بإحيائها لنعرات تاريخيَّة وخرافات وبدع ما أنزل الله بها من سلطان، مع الطعن المباشر في ضمائر أهل السنة والجماعة بسبِّ الصحابة الكرام وبعض زوجات النبي صلى الله عليه وسلَّم، طعنًا يتألَّم له كلُّ قلبٍ مؤمنٍ حوى التوقير والتقدير والاحترام لأهل بيت المصطفى ولأصحابه الكرام.
2- المشروع السياسي
أمَّا المشروع السياسي، فقد تجلّى بوضوح في بناء نفوذ إقليمي عبر تحالفات وأذرع طائفيَّة ممتدة في أكثر من ساحة إسلاميّة، وصناعة ما يمكن تسميته بالهلال الشيعي في المنطقة، وما ترتب على ذلك من تدخلات في صراعات داخلية في دول إسلامية متعددة. ولا شكَّ في أنَّ المشروع السياسي الإيراني قد تسبب في جرائم فظيعة وخسائر بشريّة هائلة، ونزوح واسع، وهجرة كبيرة، وتفكُّك مجتمعي شهدته كلّ الساحات التي عمل فيها المشروع الإيراني.
وفي المقابل، يشير البعض إلى ضرورة استحضار المواقف الداعمة لبعض فصائل المقاومة الفلسطينيّة، عادّين ذلك جانبًا إيجابيًّا في السياسة الإيرانيّة، إلَّا أنَّ تقدير وزن هذا الجانب مقارنةً ببقيَّة الملفات يظلُّ محلَّ خلاف بين النخب السنِّيَّة على اختلاف توجهاتها وتخصصاتها.
ثالثًا: ضبط الخطاب وتحرير محل النزاع
ظهر في كلا الاتجاهين خطابٌ متشنِّج؛ فبعض من يدين الحرب يتهم مخالفيه بالوقوف في صف المعتدي أو تسويغ عدوانه، بينما يذهب بعض من ينتقد إيران إلى تخوين من يرفض الحرب وعدّه مناصرًا للباطل الذي جاء به المشروع الديني والسياسي الإيراني.
وهذا المسار يُخرج القضية من نطاق الاجتهاد السياسي إلى ساحات الاصطفاف والتخندق، ويُضيّق مساحات الفهم والحوار.
والواجب في مثل هذه النوازل الكبرى:
أن نحسن الظن بالمخالف ما دام ينطلق من الحرص على مصلحة الأمَّة، وأن نفرّق بين نقد السياسات والمشروعات الظالمة والتعميم على الشعوب؛ فالشعوب لا تتحمّل وزر سياسات حكوماتها، والعدل واجب في كلِّ حال. وأن نتجنَّب تحويل الخلاف السياسي بين نخب أهل السنة إلى معركة عقديّة تُقصي المخالف، وتحشره في خانة المشروع الديني أو السياسي الإيراني.
وعليه، فمن كان يدعو المسلمين على الدوام إلى مراعاة الاختلاف السياسي والاجتهاد في تقدير المصالح، لزمه الالتزام بهذا الأصل هنا أيضًا؛ فلا يُشنَّع على من يرى موقفًا يخالفه، وعلى من كان في الضفة الأخرى ألّا يُبدَّع أو يُخوَّن من يرى موقفًا مختلفًا، بل ينبغي على الجميع احترام الخلاف المنضبط بأدب الشرع، ما دام منطلقًا من الحرص على مصلحة الأمة ودفع الضرر عنها.
رابعًا: معيار المصلحة والمفسدة
لكي يبقى الميزان الشرعي المقاصدي هو الحاكم على الجميع، ينبغي أن يُجاب بإنصاف وعدل عن مجموع الأسئلة التي من خلالها يتبيّن البعد المصلحي المقاصدي، ويكون عونًا على ضبط الموقف الشرعي، ومن ذلك:
• هل سيؤدِّي القضاء على قوة إيران العسكرية إلى تفرُّد إسرائيل بالقوة الغاشمة التي تُمكِّنها من فرض مشروعها التوسعي في المنطقة؟
• هل سيؤدِّي تفرُّد إسرائيل بالقوة العسكريَّة إلى جعلها القوّة الحاكمة التي تفرض من خلالها التطبيع على جميع دول المنطقة، وفقًا للنموذج الذي انتهى إليه مشروع صفقة القرن وما يتبعه من التصور الإبراهيمي؟
• هل ستؤدِّي هذه الحرب إلى تقليل الضرر الذي أحدثه المشروع الإيراني بجناحيه: الديني والسياسي، أم إلى توسيع رقعة الفوضى الدينيّة التي يريدها المشروع الإسرائيلي؟
• هل نظام الحكم في إيران يخدم الأمة ويحقق مصالحها، أم هو نظامٌ طائفيٌّ يخدم مشروعه الخاص؟ وهل الصراع بينه وبين دولة الكيان صراعٌ من أجل مصالح الأمة وقضاياها الكبرى، أم هو في حقيقته صراعُ مشاريع سياسيةٍ لتوسيع النفوذ وبسط الهيمنة لا غير؟
ونحو ذلك من الأسئلة الاستراتيجيَّة التي يمكن من خلال الإجابة عنها ترشيد الموقف الشرعي المطلوب.
الخلاصة:
إنَّ الخلاف حول الموقف من الحرب على إيران ليس خلافًا في أصل الانتماء للأمَّة، بل في تقدير الأولويات والمآلات، ومِن ثَمَّ فإنَّ ضبط الخطاب، واحترام الخلاف الاجتهادي، والابتعاد عن التخوين أو التقديس، هو المدخل الرشيد للتعامل مع هذه القضية المعقدة.
فالعدل واجبٌ في كلِّ حال، والإنصاف لا يسقط في زمن النزاعات، والاجتهاد السياسي يظلُّ مجالًا للاختلاف المشروع ما دام منضبطًا بأصول الشرع ومقاصده.
الشيخ سالم الشيخي