path

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة (2) - الرحمن الرحيم

article title

تبين لنا أن قولنا: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قد أسس لموقع الإنسان بوصفه الكائن الذي يحمل مسؤولية تمثيل العالمين في الاعتراف بربوبية الله، وكانت هذه المسؤولية قد قُيِّدت لاحقًا بإطارها الضابط في قوله: ﴿إياك نعبد﴾، بحيث لا تكون خلافته امتدادًا لإرادته الذاتية، بل تعبيرًا عن انضباطه بإرادة الله، فإن مقولة ﴿الرحمن الرحيم﴾ تمثل النقلة التالية في تحديد طبيعة هذه المسؤولية، لا من حيث أصلها، بل من حيث كيفية ممارستها في الواقع.

فالإنسان، وقد ثبت موقعه ضمن بنية العبودية، لا يُترك ليمارس دوره بوصفه مجرد منفذٍ للأمر، بل يُستدعى إلى أن يتمثل الصفة التي تجعل حكمه امتدادًا للربوبية وخلافة عنها بها، لا من حيث مصدرها، بل من حيث أثرها في العالم. وهنا تظهر الرحمة بوصفها الإطار العملي الذي تُمارَس من خلاله هذه المسؤولية. فـ ﴿الرحمن الرحيم﴾ ليست مجرد وصف إلهي، بل هي في هذا السياق بيان لنمط العلاقة التي ينبغي أن تحكم حركة الإنسان في العالم.

وتكشف البنية الصرفية للفظين عن مستويين متكاملين في هذا الاستدعاء. فوزن فعلان في "الرحمن" يدل على الامتلاء والاستكثار، أي استدعاء الرحمة بوصفها وفرةً وانفتاحًا، لا بوصفها استجابة محدودة أو مشروطة. إنها رحمةٌ فائضة، تتجاوز منطق الاستحقاق الضيق، وتؤسس لوجودٍ يقوم على الإعطاء لا على المنع، وعلى الاحتواء لا على الإقصاء. وبهذا المعنى، يُستدعى الإنسان إلى أن يمارس مسؤوليته بوصفه مصدر طمأنينة في العالم، لا مصدر تهديد.

أما وزن فعيل في "الرحيم"، فإنه يدل على الثبات والديمومة، أي أن الرحمة ليست حالة عابرة، بل صفة مستمرة، تنتظم بها العلاقة مع العالم. فالإنسان لا يكون رحيمًا في لحظة دون أخرى، بل يكون رحيمًا بوصفه حالة مستقرة، تُحدد طبيعة حضوره في الوجود. وبهذا، لا تتحول الرحمة إلى رد فعل ظرفي، بل تصبح بنية حاكمة للسلوك، تضبط العلاقة مع الموافق والمخالف على السواء.

وهكذا، تمثل آية ﴿الرحمن الرحيم﴾ انتقالًا من مجرد إعلان التبجيل السابق في *الحمدلة* إلى بيان نمط الحكم الذي يُمارَس في ظل هذا الاعتراف. فالمسؤولية التي حملها الإنسان في قوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ لا تتحقق بمجرد الإقرار، بل تتحقق من خلال تجسيد الرحمة في إدارة العلاقة مع العالم. وبهذا، تصبح الرحمة معيار صلاحية الإنسان للاستخلاف، لأنها تمثل الضمانة التي تمنع تحول السلطة إلى أداة قهر، وتحفظها ضمن إطار الرعاية.

ومن هنا، فإن هذا الاستدعاء لا يقتصر على العلاقة مع الموافق، بل يمتد ليشمل حتى من يُعلَن البراءة منهم في نهاية السورة. فالبراءة هنا لا تمثل قطعًا للرحمة، بل تمثل قطعًا للاتباع. إنها براءة من المسار، لا براءة من الإنسان. فالجماعة التي تعلن تمايزها في قوله: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، تكون قد سبقت هذا الإعلان بتأسيس العلاقة على مقتضى ﴿الرحمن الرحيم﴾، بما يعني أن اختلاف المسار لا يلغي أصل الرحمة، وأن التمايز في المرجعية لا يتحول إلى تبرير للقسوة.

وبهذا، تُستعاد الرحمة بوصفها البنية التي تضمن أن يكون الحكم امتدادًا للرعاية، لا للهيمنة، وأن يكون التمايز امتدادًا للوضوح، لا للعداء. فالإنسان، وقد تغذى بالعبادة في قوله: ﴿إياك نعبد﴾، واستمد القدرة بالاستعانة في قوله: ﴿وإياك نستعين﴾، واستنار بالصراط في قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، يصبح مؤهلًا لأن يمارس مسؤوليته بوصفه حاملًا لنمط من الحكم يقوم على الرحمة.

وهكذا، لا تكون عبارة ﴿الرحمن الرحيم﴾ مجرد وصف إلهي يُتلى، بل تمثل المعيار الذي يُقاس به مدى تحقق الإنسان بوظيفته. فبقدر ما يتمثل هذه الرحمة في علاقته مع العالم، يثبت أنه قادر على حفظ الاتساق الذي تأسس في مطلع السورة، وبقدر ما تنحرف ممارسته عنها، يفقد مبرر موقعه ضمن هذه البنية.

وبذلك، تمثل ﴿الرحمن الرحيم﴾ لحظة الانتقال من تعريف المسؤولية إلى تعريف كيفية أدائها، ومن إعلان الموقع إلى بيان نمط الحضور، لتكتمل بها معالم الحكم الذي يُراد للإنسان أن يمارسه في العالم: حكمٌ لا يقوم على القهر، بل على الرحمة، ولا على الإقصاء، بل على الرعاية، بما يحقق الخير للعالمين، لمن وافق ولمن خالف، ولمن لم يحسم موقعه بعد، ضمن أفقٍ يظل مفتوحًا على مقتضيات الرحمة التي تأسس بها هذا الوجود.

د. منجد أبو بكر / كلية الشريعة - جامعة قطر

د. منجد أبو بكر د. منجد أبو بكر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة

feather د. منجد أبو بكر

مشاهد وعِبر من يوم القيامة «يوم يفر المرء من أخيه»!

feather إدارة الإعلام

اقرأ أيضا للإمام

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة

banner title

مقالات مرتبطة

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة

إدارة الإعلام

مشاهد وعِبر من يوم القيامة «يوم يفر المرء من أخيه»!

إدارة الإعلام

وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا!