ليتنا غرباء

حينما تجد نفسك في وَسَطٍ لا يؤمن بما وراء الطبيعة وأنَّ الحياة مادَّةٌ "وما هي إلَّا حياتنا الدنيا" فأنت هناك غريب، وإن كنت صاحب مبدأ لا تُساوم عليه على الرغم من الإكراهات المتعددة التي تُمارس عليك فأنت غريب، وإن كنت تحمل راية الإصلاح والتَّغيير والنضال السلميَّ وسط قوًى متجبرةٍ لا تقبل منك إلَّا بالخنوع، وجماهير اعتادت على الركوع، فأنت هنالك غريب، وإن كنت ممَّن يُنادون بمبدأ الانفتاح على الآخرين دون المساس بالثوابت، فتوَاجه بعواصف من الانتقادات من الطرفين، ساعتها تكون غريبًا.
وإن كنت ممَّن يؤمن بشموليَّة الإسلام، وأنَّه منهجٌ للحياة وسط مناهج وضعيَّةٍ بها كثيرٌ من العوج، فأنت غريب.
إنها غربةٌ من نوعٍ آخر ليست كما تعارف عليه كثيرٌ من الناس أنَّ الغربة مرادفةٌ للضعف والوَحْشة والحزن والبكاء على الماضي؛ إنَّما حديثُنا عن غربة التَّفرُّد والفخر والأُنس بالله والاعتزاز بالدِّين.
إنهم كما قال الإمام الشافعي:
وَالتِّبْرُ كَالتُّرَبِ مُلقًى فِي أَمَاكِنِهِ *** وَالعُودُ فِي أَرضِهِ نَوْعٌ مِنَ الحَطَبِ
فَإِنْ تَغَرَّبَ هَذَا عَزَّ مَطْلَبُهُ *** وَإِنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كَالذَّهَبِ
هذه الغربة الممدوح أصحابها بقوله صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس".
لقد بدأ الإسلام غريبًا وحينما تفضَّل خالقُنا العظيم على العالم ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الدنيا تتقلب في ظلمات بعضها فوق بعض، {ووجدك ضالًّا فهدى} يلتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق الخلاص وطوق النجاة لقومه، وبدأ غريبًا، ولما ودَّع الرسول الأعظم الدنيا كان قد بسط سلطان الإسلام على الجزيرة العربية التي طالما استوحشتْ من صحراء الفكر وظمأ الروح وقلق النفس.
- بدأ غريبًا بثُلَّةٍ من أصحاب النبيِّ الذين آمنوا به ونصروه واتَّبعوا النور الذي أُنزل معه ونالهم في سبيل الله ألوان البلاء فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، وكان الرجل يُسلِم ويعود إلى قبيلته وحده ويأتي بعد بضع سنين بقومه معلنين ولاءهم لهذا الدين؛ كالطفيل بن عمرو الدَّوْسيِّ رضى الله عنه، وغيره..
إنها الغربة اللذيذة التي يستشعر فيها المؤمن معية الله فتشرق أنوار المعرفة على قلبه فلا يبالي بشيء إلا رضا مولاه.
وانطلق الصحب الكرام حول العالم مبشِّرين ومعلِّمين وفاتحين للقلوب والعقول وتغلبوا على تحديات كثيرة وكانوا غرباء بأخلاقهم وسلوكهم وتفردهم بين الناس، وتلك شواهد قبورهم تُنبئ عنهم؛ بدايةً من الأندلس إلى شمال إفريقيا إلى عمق إفريقيا إلى بلاد ما وراء النهر إلى الصين والهند.
يا لها من غربة ينال صاحبها هذا الشرف.
يقول ابن القيم رحمه الله في باب "الغربة" في مدارج السالكين:
«فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون. ولقلَّتهم في الناس جدًّا سمُّوا "غرباء".. فأهل الإسلام في الناس غرباء.. والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء.. وأهل العلم في المؤمنين غرباء».
وكم من غرباء ظهروا على مسرح تاريخنا الممتدِّ في ميادين العلم والدعوة والتربية والإصلاح والتَّغيير والتجديد، ولغربتهم بين الناس قدَّموا تضحيَّاتٍ كبيرةً في سبيل الثبات على المبدأ، والإصرار على مواصلة الطريق!
فهل أنت غريب؟
هل تحبُّ أن تكون غريبًا؟
ظهر عمر بن عبد العزيز في فترةٍ قد انحرف الحُكم فيها عن الرَّشاد، وأصلح الله به ما فسد في فترةٍ وجيزةٍ وقد انتهت حياته قتيلًا؛ لغربته بين أجنحة الحكم و(لوبي) المصالح. وها هو الحسن البصري يصرخ في الناس محذِّرًا من الافتتان بالدنيا لمَّا فتح على المسلمين من أقطارها.
وتطاول الزمان وتخلَّفت الأمَّة، وداهم الصليبيُّون بلاد الإسلام، وأَذِن اللهُ بمدارس التجديد والإصلاح، وقاد لواء التجديد ومجابهة قوى الظلام على شتَّى الجبهات بالقرن الخامس الإمام أبو حامد الغزالي.
- ويا لغربة الإمام ابن تيميَّة الذي جهر بآراء فقهية كانت غريبة في زمانه ولكنه أبي إلا الصدع بما يراه حقًا ولو خالف غيره ودفع ثمن ذلك من حريته فمات بالسجن لكن آراءه تلك انتفع بها المسلمون في أصقاع الأرض.
- وهل ينسي التاريخ سلطان العلماء وبائع الأمراء عز الدين بن عبد السلام الذي واجه السلطان وقاوم الطغيان وهدم بثباته أركان الباطل وأنار بعلمه عقول الناس ورفع راية الحق وقاد الجموع نحو الخلاص من القهر والاستعباد.
وتدور بنا عجلة التاريخ سريعًا إلى القرن التاسع عشر حيث المجدِّدون وحاملو لواء الإصلاح جمال الدين الأفغاني وتلميذه المجدد الإمام محمد عبده ثم تلميذه من بعده محمد رشيد رضا ومن جاء بعده من الدعاة والمصلحين في زمان الغربة.
- وفي كل زمان وفي كل مكان هناك الغرباء.
وهنا بأوروبا حيث بدأت اليقظة مع ثلة من المتفردين بأخلاقهم وسلوكهم وحسن فهمهم لدينهم وحرصهم على الأخذ بأيدي التائهين وإيقاظ الغافلين وتجميع جهود كل محب لدينه وأمته ومجتمعه.
إن قلبي مع الغرباء المتفردين حقًّا.
إنَّ قلبي مع ذلك الشاب الذي يعيش بإسلامه في مدينة لا يوجد بها إلا قليل من المسلمين.
ومع هذا تراه يصلى ويصوم ويجاهد نفسه.
- وتلك الفتاة التي تتعرض لضغوط متعددة لغطاء رأسها ومع ذلك صابرة صامدة لا تساوم على واجب ديني.
ومثلها التي تُعاني من صعوبة الحصول على عمل من أجل حجابها وهي ثابتة.
فلها ولأخواتها نقول: "طوبي للغرباء" وأجر الصابر في زمن الغربة خمسين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الترمذي.
- إنني أرى رجالًا لا يبدو عليهم أنَّهم من أصحاب العلم أو الجاه أو المال، ولكن لطيبة قلوبهم وصدقهم مع ربِّهم أودُّ أن يكون لي عُشْر ما لَهُم من كرامة عند الله؛ فهؤلاء الأتقياء الأخفياء الأنقياء هم أهل الله حقًّا.
المؤمن غريب كذلك في الدنيا؛ بمفهوم أنَّ الدنيا مرحلةٌ مؤقَّتةٌ وسفرٌ طارئٌ لا يلبث أن يصل صاحبه إلى دار القرار.
ما أجَلَّها من غربةٍ وأعزَّها إن كانت بهذا المعنى!
وربُّنا الرحمن المستعان
- الكلمات الدلالية
الشيخ طه عامر